الأزمات العالمية وردود فعل البنك المركزي وانعكاس منحنى العائد

مصطفى يازجي

02 May, 2023

مقدمة

منذ بداية الألفية الجديدة هزت الاقتصاد العالمي والنظام المالي الدولي أزمات متعددة، ابتداءً من انفجار فقاعة الإنترنت المالية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ثم الأزمة المالية العالمية في الفترة 2007-2009م. وعلى مدى العامين الماضيين، تسببت آثار جائحة كوفيد-19 المدمرة، ثم تلتها أزمة أوروبا الشرقية، في إحداث ارتدادات في الأسواق العالمية.

ومنذ بداية عام 2020م، واجه الاقتصاد العالمي تحديات بسبب الأزمة الصحية التي أحدثتها جائحة كوفيد-19، تُرجمت إلى اختلالات في العرض والطلب، وزامنتها قيود على التنقل. ونتيجة لذلك، واجهت عدة بلدان شبح الركود وارتفعت معدلات البطالة واشتدت وطأة الفقر المدقع. ومع تأزم الوضع في أوروبا الشرقية تعثرت جهود التعافي من الوباء وشهدت أسواق السلع الأساسية العالمية ارتفاعا في الأسعار، ومع تسارع التضخم في العديد من البلدان نفّذت العديد من البنوك المركزية سياسة التشديد النقدي في ردة فعلها إزاء ذلك.

وفي خضم سياسات الانكماش النقدية بغية السيطرة على التضخم ازداد الترابط بين الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي. وكانت سياسات البنك المركزي حاسمة في تشكيل مسار الأسواق المالية، مما أثر أيضا على قرارات أصحاب المصالح في الاقتصاد الحقيقي؛ الأمر الذي يستوجب فحص مدى تأثير سياسات البنك المركزي على الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي في خضم التطورات الأخيرة، ومنها إخفاق البنوك الأخير في الولايات المتحدة.


ردود فعل البنك المركزي على الأزمات العالمية

أصبحت البنوك المركزية اللاعب الرئيس في ردة الفعل على الأزمات العالمية، فبالإضافة إلى اتساع الميزانية العمومية عبر سياسات التيسير الكمي، فإنه يمكن للبنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة خفض أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر لتقليل تأثير الأزمة المالية وتحفيز النمو الاقتصادي. وتعتبر هذه الممارسات غير تقليدية كونها تختلف عن ممارسات البنك المركزي الروتينية قبل الأزمة المالية العالمية.

ومع بداية جائحة كوفيد-19 خفضت البنوك المركزية أسعار الفائدة بهدف دعم جهود التعافي الاقتصادي. ومع بداية تعافي العالم سجل التضخم ارتفاعا في الآونة الأخيرة دفع البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة إلى زيادة أسعار الفائدة من أجل ترويض التضخم. ويوضح الشكل (1) كيف خفضت البنوك المركزية الكبرى (كبنك إنجلترا BoE، والبنك المركزي الأوروبيECB ، والاحتياطي الفيدرالي Fed للولايات المتحدة( أسعار الفائدة في أعقاب الأزمة المالية العالمية، ثم بدأت في زيادة أسعار الفائدة مؤخرا. وعند ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة تسجل علاوة المخاطر ارتفاعا في جميع أنحاء العالم، ما يؤدي إلى زيادة الضغوط على انخفاض قيمة العملة والقدرة على تحمل الديون السيادية في البلدان الناشئة والنامية.

الشكل 2. أسعار الفائدة على البنك المركزي (بالنسبة المئوية)


Source: Bank for International Settlements, Bis.org.


المصدر: بنك التسويات الدولية، عبر الرابط: https://www.bis.org/statistics/cbpol.htm.

أحد الآثار المترتبة على تحولات السياسة النقدية هو التغيرات في عوائد السندات. فنظرا لأن السياسة النقدية تحدد مسار أسعار الفائدة، وأن هذه المعدلات تميز عائد سندات الخزانة الحكومية التي تحدد معدل العائد الخالي من المخاطر، فإن السياسة النقدية تؤثر في النهاية على الطلب على الأوراق المالية، بما في ذلك السندات.

وفي حال ثبات كل المتغيرات، فإنه من المتوقع أن ترتفع أسعار السندات وتنخفض عوائدها في حال انخفضت أسعار الفائدة في بيئة تشهد سياسة نقدية توسعية. وحين تنخفض عائدات السندات تنخفض تكاليف الاقتراض للشركات والحكومة، مما يؤدي إلى زيادة الإنفاق والتوسع الاقتصادي. وفي الآن ذاته، فإنه عندما ترتفع أسعار الفائدة في بيئة تشهد سياسة نقدية انكماشية فإنه من المتوقع أن تنخفض أسعار السندات وترتفع عوائدها عند ثبات باقي المتغيرات، مما يرفع تكاليف الاقتراض للقطاع الخاص والحكومة. وبالنظر إلى العلاقة بين معيار عائد سندات الخزانة الأمريكية لمدة 10 سنوات وباقي العوائد الأخرى في الأسواق المالية، فإنه يمكننا أن نلاحظ أن عوائد الأوراق المالية الأخرى تتبع الحركة العامة لسندات الخزانة الأمريكية.


انعكاس منحنى العائد

تعتبر العوائد الحالية على السندات الحكومية منخفضة نسبيا، وذلك بسبب السياسة النقدية التوسعية المتبعة في بداية الوباء. ومع ذلك، ونظرا لأن العديد من الاقتصادات المتقدمة تتبنى حاليا سياسة نقدية انكماشية لمكافحة التضخم المتسارع، فإن التوقعات بزيادة أسعار الفائدة تؤدي إلى عدم تطابق عوائد السندات قصيرة الأجل مع طويلة الأجل. وعادة ما تكون للسندات طويلة الأجل عوائد أعلى من السندات قصيرة الأجل من أجل مكافأة المستثمرين على تحمل المخاطر الإضافية للاستثمارات طويلة الأجل. ومع ذلك، تشير البيانات الحالية إلى أن العكس هو ما يحدث بسبب الوضع الحالي للسياسة النقدية للبنك المركزي.

إن “انعكاس منحنى العائد” يعني تسجيل السندات قصيرة الأجل عوائد أعلى من السندات طويلة الأجل. ويوضح الشكل (2) بداية انعكاس منحنى العائد خلال صيف عام 2022م، ثم الحفاظ على مستوى ثابت لانعكاس منحنى العائد بداية من أكتوبر 2022م في الولايات المتحدة، حيث تتجه عائدات سندات الـ 10 سنوات والـ 30 سنة نحو النزول بداية من يونيو. ومن ناحية أخرى، تبدأ عوائد سندات الثلاثة أشهر والستة أشهر والسنة الواحدة بالزيادة مقارنة بعائدات سندات الـ 10 سنوات والـ 30 سنة، بينما يشرع الهامش بين عوائد السندات قصيرة الأجل وطويلة الأجل في الزيادة في نوفمبر 2022م وهو الأعلى منذ ذلك الحين. وبعبارة أخرى، فإن هذا يعني تفضيل المستثمرين للسندات قصيرة الأجل ذات العوائد المرتفعة على السندات طويلة الأجل ذات العوائد المنخفضة.

الشكل 2. انعكاسات منحنى العائد في الولايات المتحدة


Source: Bank for International Settlements, Bis.org.


المصدر:

https://home.treasury.gov/resource-center/data-chart-center/interest-rates/TextView؟type=daily_treasury_yield_curve&field_tdr_date_value=2022

ملاحظة: التواريخ مدرجة بتنسيق الشهر / اليوم / السنة.

ويمكن تفسير انعكاس منحنى العائد الأخير في الولايات المتحدة على أنه ترجمة لتوقعات المستثمرين برفع أسعار الفائدة الفيدرالية المستمرة بسبب ارتفاع التضخم. وقد يؤدي هذا إلى تباطؤ اقتصادي على المدى المتوسط إلى الطويل لأن قرارات السياسة النقدية عادة ما تؤثر على الاقتصاد بعد حين. وفي الواقع، تشير بعض الأدبيات إلى أن تقلبات منحنى العائد المستمر هي علامات على الركود القادم؛ إذ إنه على مدار العقود القليلة الماضية تفصل مدة مقدارها عشرون شهرا في المتوسط بين انعكاس منحنى العائد الأولي وبداية الركود في الولايات المتحدة. فعلى سبيل المثال، سُجل انقضاء 16 شهرا منذ انعكاس منحنى العائد في أغسطس 1978م حتى بداية الركود، في حين بدأ ركود آخر في الولايات المتحدة بعد 33 شهرا من انعكاس منحنى العائد في يونيو 1998م (الشكل 3).

الشكل 3. الأشهر المنقضية بين انعكاس منحنى العائد الأولي وبداية الركود في الولايات المتحدة


Source: Bank for International Settlements, Bis.org.


المصدر:

https://www.statista.com/statistics/1087216/time-gap-between-yield-curve-inversion-and-recession/

ولا يقتصر انعكاس منحنى العائد على الولايات المتحدة، فالعديد من البلدان تشهد ذلك أيضا من حين لآخر. وعلى سبيل المثال سجل في الصين انعكاس لمنحنى عائد الادخار منذ أن بدأ أكبر أربعة مقرضين حكوميين في الصين في تحديد سعر الفائدة على الودائع لمدة ثلاث سنوات بحوالي 40 نقطة أساس أعلى من الودائع لمدة خمس سنوات. وأدت التوقعات بحدوث تباطؤ اقتصادي في الصين إلى جانب ارتفاع معدلات المدخرات قصيرة الأجل إلى زيادة الودائع المصرفية.


الآثار المترتبة على البلدان الناشئة والنامية

معظم البلدان الناشئة والنامية لا تضم أسواقا رأسمالية ناضجة وتمتلك مصادر تمويل محدودة، ومع تزايد حاجتها إلى مصادر خارجية للتمويل فإن السياسات التي تتبعها الاقتصادات المتقدمة تكون لها آثار غير مباشرة على البلدان الناشئة والنامية التي تتبنى الأسعار نفسها. وتبعا لذلك، يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة إلى ارتفاع علاوة المخاطر في جميع أنحاء العالم، مما يؤدي إلى ضغوط شديدة على انخفاض قيمة العملة والقدرة على تحمل الديون السيادية في البلدان الناشئة والنامية. وعلى العكس من ذلك، فقد تساعد عائدات السندات طويلة الأجل المنخفضة نسبيا في الاقتصادات المتقدمة البلدان الناشئة والنامية على جذب المستثمرين الدوليين لتلبية احتياجاتها التمويلية الخارجية، وذلك من خلال تقديمها عوائد أعلى نسبيا على السندات الحكومية طويلة الأجل، ولكن هذا الأمر ليس من المسلّمات وإنما ينبغي أن يقترن ببيئة مناسبة للاستثمار.

أدت الإخفاقات المصرفية الأخيرة في الولايات المتحدة إلى تفاقم أخطار العدوى المالية في البلدان الناشئة والنامية، وأصبح من الواجب على الاقتصادات الناشئة والنامية أن تسعى جاهدة لتحقيق المرونة في مواجهة الشكوك ومراقبة إشارات الانكماش في الاقتصادات المتقدمة. وفي ظل ترابط الأسواق المالية العالمية، فإن خطر انتقال العدوى من الاقتصادات المتقدمة إلى البلدان الناشئة والنامية يظل قائما. وعليه فإن البلدان الناشئة والنامية في حاجة إلى التأكد من أن سياساتها المالية والنقدية تتماشى مع توقعات الركود العالمي وتقلب الأسواق المالية، كما أنه ينبغي إعطاء الأولوية لاستدامة الديون السيادية وآليات التمويل التي تدعم الاقتصاد الحقيقي والإنتاجية والعمالة لدعم القدرة على الصمود.

إن العلاقة بين انعكاس منحنى العائد وفترات الركود ليست سببية. ومع ذلك، فإنها تحذر من التوقعات التي تتحقق من تلقاء نفسها، كما أنها تستدعي الحاجة إلى سوق مالي أكثر استقرارا؛ إذ إن التقلبات في الأسواق المالية الدولية هي بالأساس قصيرة الأجل، وتكون مدفوعة بالربح، وهي نتيجة لسلوك المضاربة لدى المستثمرين في جميع أنحاء العالم.

إن مبادئ التمويل الإسلامي يمكنها أن تعزز الاستقرار في الأسواق المالية، ويمكنها أن ترشد الأسواق المالية طويلة الأجل التي تستهدف الإنتاجية وتدعم الاقتصاد الحقيقي. وتعد الأسواق المالية للاقتصادات الناشئة والنامية أرضية رحبة لاستعمال أدوات التمويل الإسلامي وآلياته.

ترجمة د. محمود بكري


المدونون
Finance and Economics
ترشيد استهلاك الطاقة في المملكة العربية السعودية: نحو اقتصاد أخضر موفر للطاقة

Finance and Economics
توسع مجموعة البريكس والديناميكيات المتغيرة في الاقتصاد العالمي

Finance and Economics
فتح الأبواب أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى أسواق رأس المال من خلال صندوق تعزيز الصكوك

Finance and Economics
أهمية تبني التقنيات المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تغيير نموذج النظام المالي العالمي

Check More Blogs From Mustafa Yagci

05 Apr, 2023 -COVID-19
Mustafa Yagci | مقال بالعربي
تأثير الأزمات العالمية على الفقر: القياس والاتجاهات والتحديات

مقدمةعلى الرغم من أن الفقر يقاس عموما باستخدام أساس نقدي، فإن من المسلم به على نطاق واسع أن الفقر يتسم...

قراءة المزيد
26 Mar, 2023 -Finance and Economics
Mustafa Yagci | English Article
Global Crises, Central Bank Responses, and the Inversion of the Yield Curve

Introduction The global economy and the international financial system have been rattled by crises of varying sources since the start...

Read
20 Mar, 2023 -Islamic Finance
Mustafa Yagci | English Article
Impact of Global Crises on Poverty: Measurement, Trends, and Challenges

Introduction While poverty is generally measured using a monetary basis, it is widely acknowledged that poverty is characterized by multiple...

Read