المعالم والتحديات في اعتماد التكنولوجيا المالية الرقمية في مصر

عبد الرحمن الزاهي سعيد علي

15 Jan, 2024

هذا المقال هو الجزء الختامي من تقرير مكون من ثلاثة أجزاء يستكشف إمكانات الشمول المالي الرقمي في مصر. ويمكن الاطلاع على الجزء الثاني هنا.

مقدمة

يقصد بمصطلح التكنولوجيا المالية (أو ما يعرف اختصاراً بالفينتيك Fintech) التقنيات المتطورة التي تعمل على التحول في الخدمات المالية التقليدية. وتتضمن التكنولوجيا المالية أتمتة تقديم الخدمات المالية، وتمكين مقدمي الخدمات المالية والشركات والمستهلكين من تبسيط عملياتهم المالية من خلال برامج متخصصة على الحواسيب والهواتف الذكية ومختلف الأجهزة. وقد اتسع نطاقها إلى ما هو أبعد من الخدمات المالية التقليدية لتشمل القطاعات الموجهة للمستهلك، مثل التعليم والخدمات المصرفية للأفراد وحشد الأموال والعملات الرقمية وإدارة الاستثمار. وكما هو الحال مع سائر الدول، ينبغي لمصر أن تتبنى التكنولوجيا المالية من أجل إيصال هذه الخدمات إلى جماهيرها.

وفي ظل تجاوز عدد سكان مصر 100 مليون نسمة لا يتعامل 67% منهم مع البنوك ولا تصلهم الخدمات المصرفية، يتحتم على مصر صياغة إستراتيجية قوية لتحقيق الشمول المالي تتمحور حول اعتماد التكنولوجيا المالية، وذلك للتغلب على التحديات المختلفة من قبيل نقص البنية التحتية في المناطق النائية والاضطرابات الناجمة عن جائحة كوفيد-19، وحينئذ تبرز التكنولوجيا المالية الرقمية بوصفها محفزاً محورياً لتوليد فرص جديدة من أجل تسريع وإثراء الشمول المالي.

وبالتالي، فإن دمج التكنولوجيا المالية في مصر أمر لا غنى عنه، وينبغي أن يضم الجماهير غير المشمولة كي يسهم في رفاهية البلاد. فقد أضحت التكنولوجيا قوة تحويلية على مستوى العالم، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد الرقمي يشكل ما يصل إلى 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. كما يجدر ذكر أن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بما في ذلك مصر، خصصت أكثر من 41% من ناتجها المحلي الإجمالي لاعتماد التكنولوجيا، في حين تمثل مصر 7.7% (الشكل 1). وهذا يؤكد استثمار مصر الكبير في التكنولوجيا الرقمية ذات الصلة للاستفادة من الفرص غير المستغلة من أجل تحقيق ازدهار ونمو اقتصادي كبيرين.

الشكل 1: استثمار مصر في التكنولوجيا

مصدر البيانات: التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي، من تقرير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

معوقات تبني التكنولوجيا في مصر

وكما هو الحال في سائر الدول العربية، تعاني مصر من فجوة كبيرة في المهارات في سوق العمل المحلي، مما يعيق إمكانية توظيف الشباب والنساء. وعلى الرغم من التقدم التعليمي، تظل الفجوة في المهارات الرفيعة، بحسب تصريح البنك الدولي، تمثل عقبة أساسية تتطلب الاهتمام قبل تبني التكنولوجيا. كما أن من الأهمية بمكان أن يسبق تبني التكنولوجيا تعزيز الوعي بقيمة التكنولوجيا واستخدامها وتطبيقها، وينبغي على الحكومة أن تعمل بنشاط على تعزيز برامج التدريب المهني الشاملة للتخفيف من هذه التحديات المتوقعة. وتعد القيادة الفعالة أمرا ضروريا لتجاوز التغيير التحويلي المرتبط باعتماد التكنولوجيا الجديدة، مع التركيز على الحاجة إلى معالجة النقص في المهارات القيادية بين أصحاب العمل. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التغلب على التحدي المتمثل في وجود عدد كبير من الجماهير الذين لا يتعاملون مع البنوك يتطلب وضع أطر قانونية ولوائح وقواعد مرنة مصممة خصيصا لعصر اعتماد التكنولوجيا المالية.

وعلاوة على ذلك، فإن النقص في رأس المال الاستثماري يشكل حاجزا هائلا يتفاقم بسبب التحديات الناجمة عن جائحة كوفيد-19 وديون البلاد. وينبغي على صناع السياسات أيضا معالجة العديد من القضايا، مثل الممارسات غير المرنة في التوظيف والفصل، وضعف الاهتمام لدى المؤسسات، والفجوات القيادية داخل الشركات.


مبادرة مصر لتبني التكنولوجيا المالية

بفضل الدعم الحكومي الكبير، والاهتمام الشديد من جانب شركات رأس المال الاستثماري الدولية والمحلية، تطمح مصر إلى أن تصبح رائدة في تبني التكنولوجيا المالية. وقد خصص البنك المركزي المصري مليار جنيه مصري في شكل صندوق استثمار أولي لتطوير التكنولوجيا المالية، مما يؤكد التزامه بتعزيز التكنولوجيا المالية من خلال الإصلاحات التنظيمية الموضحة في إستراتيجية الشمول المالي في مصر. وقد حظيت هذه المبادرة بدعم كبير من شريحة الشباب المتزايدة والانتشار المتسارع للهواتف الذكية.

وعززت هذه العوامل المشجعة تبني الشركات الكبرى والبنوك والمؤسسات غير المصرفية للتكنولوجيا المالية. وقد بذلت مصر المزيد من الجهود لتبني التكنولوجيا المالية في قطاع التحصيل والمدفوعات الواسع كما هو مبين في الشكل 2، حيث أصبح هذا القطاع يضم 39 بنكا متكاملا، و39 شركة تأمين، و900 شركة صغيرة ومتوسطة ومنظمة مجتمع مدني، وأربعة مشغلين لشبكات الهاتف المحمول، و50 شركة من شركات الدفع والتحصيل. وأضحت الجهود المبذولة لتحويل قطاع الدفع والتحصيل إلى قطاع غير نقدي جزءا من التزام الدولة من خلال تبني الاقتصاد الرقمي في رؤية 2030م.


الشكل 2: قطاعا التحصيل والدفع في مصر

مصدر البيانات: تقارير البنك المركزي المصري

وتماهيا مع الرؤية الوطنية لعام 2030م، أطلق البنك المركزي المصري إستراتيجية التكنولوجيا المالية والابتكار في مارس 2019م بهدف تحقيق التحول في المشهد المالي في مصر، وتعزيز منظومة التكنولوجيا المالية، وتموضع البلاد بوصفها مركزاً إقليمياً في مجال التكنولوجيا المالية.

وتستجيب هذه الإستراتيجية – التي ترتكز على خمس ركائز هي الطلب والموهبة والتمويل واللوائح التنظيمية والحكومة والتعاون – للطلب الكبير على التكنولوجيا المالية من قبل المستهلكين الأفراد، والشركات الصغيرة والمتوسطة، وقطاع المؤسسات المالية. ومع نسبة تبلغ 26% من سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقطنون في مصر، ولا تصل إلى 67% منهم الخدمات المصرفية، فإن الاستفادة من التكنولوجيا المالية لتلبية هذا الطلب تبشر بتحقيق الشمول المالي المعزز والنمو الاقتصادي.


الشكل 3: العوامل الموجهة لمنظومة التكنولوجيا المالية في مصر


التحديات الوطنية في مجال التكنولوجيا المالية في مصر

وبالإضافة إلى العوائق آنفة الذكر، تواجه مصر تحديات ناجمة عن الأمية المالية، حيث تبلغ نسبة السكان المثقفين ماليا 27% فقط. وواقع الحال أن العملاء ذوو الدخل المنخفض والمجموعات الضعيفة والمحرومة من الخدمات المالية في مصر يفتقرون إلى الثقافة المالية الرقمية، كما أن جيل الألفية تنقصهم المعرفة بالإدارة المالية الشخصية. ويفتقر أيضاً رجال الأعمال وتجار التجزئة إلى المعرفة بالخدمات المصرفية، ويحتاج العديد من الأشخاص إلى أن يكونوا على دراية بأهمية خدمات التأمين، وتفتقر الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى المعرفة بإدارة مخاطرها المالية.

وتعد معالجة هذه العوائق أمرا حيويا، وخاصة بالنسبة للفئات المحرومة، مثل المستهلكين ذوي الدخل المنخفض، ومجموعات الخدمات المالية الضعيفة، وجيل الألفية، ورجال الأعمال، وتجار التجزئة، والشركات الصغيرة، والمتوسطة. وتهدف المنصة الوطنية للتكنولوجيا المالية في مصر إلى تعزيز مشاركة العملاء الماليين من خلال التطبيقات الرقمية، بما في ذلك حوافز الدفع الرقمي والمنتجات المالية المخصصة. كما يعد التغلب على الحواجز الجغرافية أمرا بالغ الأهمية لتسهيل عمليات التحصيل والدفع في الوقت المناسب، خاصة بالنسبة للأفراد الذين ليس لديهم حسابات مصرفية ويواجهون تحديات في الوصول إلى الخدمات الطبية بأسعار معقولة.

وتلوح في الأفق أيضا تحديات تنظيمية كبيرة، وهو ما حدا بالبنك المركزي المصري إلى اقتراح قوانين تنظيمية للتكنولوجيا المالية من أجل مساعدة المؤسسات المالية على تقديم خدمة أفضل للعملاء المحرومين من الخدمات المالية، وخفض تكاليف التشغيل، وتحسين الكفاءة العامة. وتظهر موافقة مجلس النواب على هذه القوانين من حيث المبدأ في مايو 2020م نهجا استباقيا للتكيف مع تطورات المشهد التكنولوجي المالي. وفي وقت سابق، أطلق البنك المركزي المصري بالفعل في عام 2019م بيئة تنظيمية تجريبية لتزويد شركات التكنولوجيا المالية بتمويلات مخصصة للشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية في العام نفسه. كما يشارك إلى جانب البنك المركزي المصري العديد من الهيئات في صياغة القوانين واللوائح للتكنولوجيا المالية، مثل: هيئة تنمية صناعة المعلومات والتكنولوجيا، وهيئة الرقابة المالية، والمجلس القومي للمدفوعات، وتمت الموافقة عليها بمقتضى القرار الجمهوري رقم 89 لسنة 2017م.

الخاتمة

يلخص هذا المقال جهود مصر من أجل إدخال تكنولوجيا الشمول المالي الرقمي وتجاوز التحديات التي تواجهها. وعلى الرغم من التحديات، فإن التدابير المتخذة تمثل خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح. ولعل المبادرات العديدة مثل إستراتيجية الشمول المالي، والمنصة الرقمية الوطنية، والإصلاحات التنظيمية لتمكين التكنولوجيا المالية الرقمية، وإشراك القطاع الخاص تحت إشراف الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، كل ذلك يمهد الطريق أمام مصر لتحقيق طموحها في أن تصبح مركزا رقميا إقليميا. ومن هذا المنطلق، يشتمل هذا المقال على نتائج قيمة للحكومة والمؤسسات المالية وصانعي السياسات والمؤسسات التنموية والمستثمرين الدوليين، ويدعو إلى مشاركة تعاونية تعود بالفائدة المتبادلة في المستقبل المالي الرقمي لمصر.


ترجمة: د. محمود بكري


المدونون
Finance and Economics
نحو مستقبل أخضر للسندات الزرقاء

Finance and Economics
نحو حشد موارد مالية متنوعة للتمويل الأصغر

Finance and Economics
تعزيز إمكانية الوصول إلى الخدمات المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تحديات الهشاشة والتنمية في البلدان الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية: حالة النيجر

Finance and Economics
ترشيد استهلاك الطاقة في المملكة العربية السعودية: نحو اقتصاد أخضر موفر للطاقة

Finance and Economics
توسع مجموعة البريكس والديناميكيات المتغيرة في الاقتصاد العالمي

Finance and Economics
فتح الأبواب أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى أسواق رأس المال من خلال صندوق تعزيز الصكوك

Finance and Economics
أهمية تبني التقنيات المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تغيير نموذج النظام المالي العالمي

Finance and Economics
الأزمات العالمية وردود فعل البنك المركزي وانعكاس منحنى العائد

Check More Blogs From Abdelrahman Elzahi Saaid Ali

01 Jan, 2024 -Finance and Economics
Abdelrahman Elzahi Saaid Ali | مقال بالعربي
تعزيز إمكانية الوصول إلى الخدمات المالية الرقمية في مصر

هذا المقال هو الجزء الثاني من تقرير مكون من ثلاثة أجزاء حول الشمول المالي الرقمي في مصر. ويمكن الاطلاع على...

قراءة المزيد
17 Dec, 2023 -Finance and Economics
Abdelrahman Elzahi Saaid Ali | English Article
Milestones and Challenges in Egypt’s Digital Financial Technology Adoption

This is the concluding segment of a three-part report exploring digital financial inclusion in Egypt. You can find the second...

Read
13 Dec, 2023 -Finance and Economics
Abdelrahman Elzahi Saaid Ali | English Article
Advancing Access to Digital Financial Services in Egypt

This article is the second in a three-part report on digital financial inclusion in Egypt. Read the first part here....

Read