هذه المقالة مترجمة عن الإنجليزية لمدونة إلكترونية بعنوان: Is Riba Sustainable ?
ترجمة: د. محمود بكري
الربا (أو الفائدة) ظاهرة موجودة منذ آلاف السنين، ومن المرجح أن تستمر لقرون قادمة؛ فهل يجعلها ذلك “مستدامة”؟ وهل مجرد استمرار ظاهرة أو سلوك معين يكون كافياً لاعتباره مستداماً؟
إن الاستمرارية وحدها لا تعني الاستدامة، فالفقر والمرض والحروب كلها مستمرة عبر التاريخ، لكن ذلك لا يجعلها مستدامة، بل لا بد من وجود معيار عقلاني لتعريف الاستدامة.
يمكننا صياغة معيار الاستدامة انطلاقا من القاعدة الذهبية: “أَحِب لأخيك ما تحب لنفسك (من الخير)”، بحيث يتم تطبيقها لتعريف الاستدامة عبر الزمان وعبر المكان. إذن، لننظر في كل منهما على حدة.

إذا استوفى سلوك معين ما القاعدة الذهبية فإن ذلك يعني أن يكون من مصلحة جميع أفراد المجتمع أن يتبنوا هذا السلوك في أي لحظة زمنية؛ إذ يوصف الحدث بأنه مستدام عندما يعتمده جميع الأفراد. وهذا ما يسمى “الاستدامة عبر المكان”، أي عبر أوساط المجتمع في أي لحظة زمنية معينة.
ماذا عن “الاستدامة عبر الزمان”؟
في هذه الحالة نطبق القاعدة على أجيال مختلفة من المجتمع لنرى ما إذا كان هذا السلوك مستداما عبر الزمان. فإذا تأكد أن الأجيال القادمة ستكون راضية عن قيام الجيل الحالي بهذا النمط من السلوك، فإنه يُعد مستداما عبر الزمان، لأنه يحقق القاعدة الذهبية عبر مختلف الأزمنة.

يقع الخلط في أغلب الأحيان بين الاستمرارية والاستدامة عند مناقشة الممارسات أو الظواهر الدائمة.
إن الاستمرارية تشير إلى بقاء الحدث مع مرور الزمن، أما الاستدامة فتعني قدرة السلوك أو الحدث على البقاء دون أن يحدث ضررا بيئيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا على المدى البعيد. فالفرق إذن يتلخص في أن الاستدامة تقتضي القابلية لأن تكون قابلة للتعميم (universalizability) وليس مجرد الاستمرارية.

نصل الآن إلى السؤال الجوهري: هل الربا مستدام؟
وهذا يدل على أن الربا أو الإقراض بفائدة يخضع لمغالطة التعميم (Fallacy of Composition)، التي تعني الاعتقاد بأن ما ينفع بعض الأفراد سينفع الجميع بالضرورة.
لكن هذا ليس صحيحا دائما، فقد يكون الفعل مفيدا للبعض ولكن إذا تم تعميمه تضرر الجميع.
وهذا بالضبط هو حال الإقراض بفائدة، ما يعني فشل الربا في تحقيق القاعدة الذهبية “عبر المكان”.
وفي المقابل تحقق التجارة العادلة القاعدة الذهبية، ومن ثم تعد التجارة من حيث المبدأ مستدامة مكانيا، خلافاً للربا.


وهذا يثبت أن الربا غير مستدام لا مكانيا ولا زمانيا. وحقيقة أن الربا موجود منذ آلاف السنين لا تثبت أنه مستدام، فالحروب والكساد وعدم الاستقرار والفقر كلها موجودة منذ قرون طويلة أيضا، والغالب أنها مرتبطة بنمو الدين غير المنضبط. وإن استمرارية هذه الآفات لا تعني استدامتها، بل العكس تماما، فهي مستمرة لأنها تخدم مصالح قلة على حساب المصلحة العامة.
إن التمويل الإسلامي يمكن أن يكون مستداما ما بقي مندمجا بشكل كامل مع التجارة والإنتاج، ولكنه متى ما حاول تقليد الإقراض القائم على الفائدة فسيقع في نفس داء الربا.

وخلاصة القول إن الاستدامة تتطلب القابلية بأن يصبح السلوك عالمياً؛ فالفعل أو السلوك يكون مستداما إذا كان من مصلحة المجتمع أن يتم تعميمها عبر المكان وعبر الزمان. أما الاستمرارية فقد ترتبط أو لا ترتبط بالاستدامة.

هذه المقالة امتداد لمداخلة قدّمها المؤلف خلال “الاجتماع الإستراتيجي الثاني حول الابتكار المستدام ومقاصد الشريعة في المالية الإسلامية” الذي نظمّه المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية (CIBAFI) بتاريخ 27 نوفمبر 2024م في جدة بالمملكة العربية السعودية.
Nobel laureate Joseph Stiglitz once remarked that debt financing without bankruptcy is like Hamlet without the Prince. Or, to borrow...
ReadThe most well-known historical episode of resource scarcity occurred in Egypt during the time of Prophet Yusuf (peace be upon...
ReadRiba, or usury, has existed for millennia and will likely persist for many more. Does that make it “sustainable”? Is...
Read