إطلاق إمكانات التمويل الإسلامي: نظرة متعمقة حول إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي الصادر عن البنك الإسلامي للتنمية

تورخان علي عبدول مناب, سيد فائق نجيب, يحيى عليم الرحمن

12 Dec, 2023

مقدمة

على مدى العقود القليلة الماضية، اكتسب التمويل الإسلامي اعترافا كبيرا باعتباره بديلا عن التمويل التقليدي قابلا للتطبيق. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بلغت القيمة التقديرية لأصول التمويل الإسلامي حوالي 200 مليار دولار أمريكي. وعلى الرغم من الأزمات المالية المختلفة، فقد شهدت الصناعة نموا ملحوظا بلغت معه قيمتها حالياً 3.25 تريليون دولار أمريكي اعتبارا من عام 2022م.

ويمكن أن يعزى هذا النجاح إلى التزام الصناعة بمبادئ الشريعة الإسلامية، التي تعزز مبادئ التمويل الأخلاقي العادل، وحقوق الملكية، وتقاسم المخاطر المتبادلة لدعم الاقتصاد الحقيقي. فحتى خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008م، حقق قطاع الخدمات المصرفية الإسلامية معدل نمو سنوي مثير للإعجاب بلغ 16% بين عامي 2008م و2012م، بقيمة بلغ مجموعها 1.4 تريليون دولار أمريكي في عام 2013م.

وعلاوة على ذلك، أظهر التمويل الإسلامي مرونة خلال جائحة كوفيد-19، حيث اتسع عالميا بنسبة 10.7% في عام 2020م، و11.3% في عام 2012م، و6.2% في عام 2022م، ليتجاوز 3.25 تريليون دولار أمريكي في عام 2022م (الشكل 1).


ضرورة وجود أداة تشخيصية فعالة

وفي حين قطعت بعض المناطق خطوات كبيرة في تطوير التمويل الإسلامي، لم يكن تطور الصناعة بشكل موحد على مستوى العالم (الشكل 2)، إذ لا يزال العديد من الدول الأعضاء في المراحل الأولى من تأسيس هذه الصناعة. ووفقا لتقرير استقرار التمويل الإسلامي (2023م)، فإن 15 من الدول الأعضاء في مجلس الخدمات المالية الإسلامية تعد ذات أهمية نظامية في مجال الخدمات المصرفية الإسلامية. وتمتلك هذه الدول الخمس عشرة 2.07 تريليون دولار أمريكي، وهو ما يمثل 91.4% من الأصول المصرفية الإسلامية العالمية التي تقدر قيمتها بـ 2.25 تريليون دولار أمريكي.

وتتركز أصول التمويل الإسلامي على وجه التحديد في المقام الأول في ثلاث مناطق رئيسة، هي: منطقة مجلس التعاون الخليجي (53.6%)، والشرق الأوسط (باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي) وجنوب آسيا (18.6%)، وجنوب شرق آسيا (23.3%). ويبلغ إجمالي الأصول التراكمية في الدول الستة الأولى 1.883.9 مليار دولار أمريكي، وهو ما يمثل 83.8% من أصول المصرفية الإسلامية. وفي عام 2022م، استحوذت منطقة جنوب شرق آسيا ودول مجلس التعاون الخليجي على 74% من إصدارات الصكوك العالمية. وعلى الرغم من أن الأسواق الناشئة في أنحاء أفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا الجنوبية تتمتع بإمكانات هائلة للنمو، إلا أن التمويل الإسلامي لا يزال فيها متخلفا.


إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي

يعد “إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي” الذي طوره معهد البنك الإسلامي للتنمية إطارا تقييميا يشمل الجوانب الأساسية، مثل: الإطار القانوني والتنظيمي، والبنية التحتية للسوق، وإدارة السيولة، وشبكات الأمان المالية، والحوكمة الشرعية. ومن خلال التقييم الشامل لهذه الركائز الأساسية، يمكن لهذا الإطار أن يحدد على وجه الدقة أوجه القصور أو فرص التحسين داخل قطاعات التمويل الإسلامي في كل دولة على حدة، ويتيح ذلك للحكومات والجهات التنظيمية اتخاذ قرارات مستنيرة تعزز الأطر التنظيمية وتدعم نمو الصناعة بشكل أفضل.

إن الهدف الرئيس لـ “إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي” هو مساعدة الدول الأعضاء على دمج مبادئ التمويل الإسلامي بشكل فعال في إستراتيجيات التنمية الوطنية الخاصة بها، كما أنه يعد مرجعاً قيماً في مساعدة البلدان على الاستفادة من إمكانات التمويل الإسلامي لتحقيق النمو والتنمية الاقتصادية المستدامة. ويشمل ذلك زيادة التنوع في قطاع التمويل الإسلامي لتحقيق أهداف التنمية، واستخدام التكنولوجيا الحديثة لتعزيز الشمول المالي والقدرة التنافسية والابتكار والكفاءة، وتعزيز التمويل الاجتماعي الإسلامي ومكونات شبكات الأمان الاجتماعي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ومساعدة الدول الأعضاء على بناء منظوماتها المالية الإسلامية، ودعم مبادرات إستراتيجيات الشراكة مع الدول الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية، ورصد حالات للدراسة، وإصدار مطبوعات حول الإستراتيجيات الناجحة والدروس التي تعلمتها الدول الأعضاء في سعيها لتطوير منظومتها الوطنية للتمويل الإسلامي. وتهدف كل هذه الجهود إلى إفادة المبادرات التنموية الأوسع لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية، وقد تم حالياً بشكل فعلي تدشين “إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي” لتطبيقه في أوزبكستان وكازاخستان.


الهدف الرئيس لإطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي هو مساعدة الدول الأعضاء على دمج مبادئ التمويل الإسلامي بشكل فعال في إستراتيجياتها الوطنية التنموية



النهج التشاوري في إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي

يعتمد التقييم في “إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي” نهجا تعاونيا يشتمل على مشاورات مع مختلف أصحاب المصلحة في كل بلد، ومن أبرزها: الجهات الفاعلة في الصناعة، والمنظمين، وصانعي السياسات، وعلماء الشريعة. وتتيح العملية التشاورية إجراء مناقشات شاملة للحصول على مرئيات إزاء الحقائق على أرض الواقع، كما تركز الاجتماعات على دراسة منظومة التمويل الإسلامي لتحديد نقاط القوة، والضعف، والمخاطر، والتوصيات. ويعد هذا النهج التشاوري أمرا حيويا للتشخيص الدقيق الذي يشكل الأساس للتوصيات المناسبة لرسم السياسات.


المكونات الحاسمة في منظومة التمويل الإسلامي

يستخدم الفريق الذي طور “إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي” الإطار التشخيصي لتقييم الجوانب عبر تحديد الأبعاد الحرجة (الشكل 3). فعلى صعيد الإطار القانوني، لا يتم فحص مدى توافق القوانين واللوائح مع الشريعة فحسب، بل يتم أيضا تحديد القوانين والمواد التي تتطلب تعديلات. وبالنسبة للمبادئ التوجيهية التنظيمية، يتم تقييم قدرة الهيئات الإشرافية على أساس الموارد المتاحة والموظفين المدربين وآليات الرقابة.

وعند تقييم البنية التحتية للسوق تؤخذ في الاعتبار جوانب مهمة، مثل: تبني تقنيات جديدة، ومشاركة الجهات الفاعلة من القطاع الخاص، والروابط عبر الحدود. وفي إطار خدمات إدارة السيولة، يقدم التقرير توصيات لتطوير أدوات إضافية لتعزيز الاستقرار والنمو، كما يتم تعزيز شبكات الأمان المالي من خلال اقتراح إصلاحات على الهياكل القائمة وإدخال أفضل الممارسات العالمية. أما بالنسبة للحوكمة الشرعية، فيسعى التقرير الى استكشاف طرق لزيادة توحيد المعايير مع السماح بتنوعها. ويتوافق هذا النهج مع المبادئ التوجيهية بشأن إجراء تقييمات شاملة لمنظومات الشمول المالي، مع التركيز على المشاركة الشاملة لأصحاب المصلحة والتقييم عبر أبعاد متعددة. ويتيح هذا التحليل متعدد الأبعاد إجراء تقييم متين لمنظومة التمويل الإسلامي.



التوصيات المناسبة لرسم السياسات

يقوم التقييم في إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي بتجميع النتائج عبر جميع الأبعاد في تقارير مناسبة لكل بلد. واستنادا إلى الأدلة التي تم جمعها، تسلط هذه التقارير الضوء على التقدم الملحوظ ونقاط القوة الحالية في صناعة التمويل الإسلامي في كل دولة عضو. وينتج عن التقييم تقارير مخصصة تحتوي على توصيات لرسم السياسيات قائمة على الأدلة لتعزيز قطاع التمويل الإسلامي في كل بلد. وتجدر الإشارة إلى ما شهدته هذه البلدان من تحسن في النتائج الاقتصادية من خلال اعتماد عملية صنع السياسات المستندة إلى الأدلة، إذ إنه من خلال التشخيص الدقيق لنقاط القوة والضعف، يمكن لتلك البلدان أن تعمل على تطوير إستراتيجيات مطورة محليا. وعليه، فإن إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي يضطلع بتمكين أصحاب المصلحة من خلال الرؤى اللازمة لإطلاق العنان لإمكانات التمويل الإسلامي.

ومن خلال تنفيذ التوصيات المنبثقة عن إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي، يمكن للدول الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية تعزيز أسس صناعة التمويل الإسلامي لديها. وهذا ما يمكّنهم من توجيه التمويل الإسلامي إلى مجالات التنمية ذات الأولوية بشكل مستدام. ومع اكتساب التمويل الإسلامي أهمية كبيرة، تزداد إمكانية تكامله بشكل مطرد مع التمويل التقليدي بهدف دعم الأهداف الاجتماعية والاقتصادية. وسوف يتيح هذا الإطار الشامل لكل دولة تقييم أفضل السبل لدمج التمويل الإسلامي في أنظمتها الوطنية على أساس السياقات المحلية.


الخاتمة

إن “إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي” هو أداة لتقييم إمكانات التمويل الإسلامي في البلدان الأعضاء، ويجري هذا الإطار تقييما تشخيصيا شاملا لمنظومة التمويل الإسلامي الراهنة والقطاعات ذات الصلة في كل دولة مشاركة. ويتمثل أحد أهم الجوانب في هذا الإطار في إشراكه أصحاب المصلحة المحليين المتباينين من كافة مؤسسات القطاعين العام والخاص في كل تقييم، مما يضمن اشتمال التقييم على السياقات السياسية والاقتصادية والتجارية الفريدة مع الاستفادة من الخبرات المحلية.

ومع أخذه بعين الاعتبار جميع أبعاد صناعة التمويل الإسلامي، يتبع “إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي” نهجا شاملا قائما على الأدلة يساعد البلدان على تعزيز الأسس التنظيمية والمؤسسية لتوسيع قطاع الخدمات المالية الإسلامية لديها، كما أنه يدعم إسهام التمويل الإسلامي في الأولويات الوطنية، مثل: تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير البنية التحتية، والشمول الاقتصادي. ومن المتوقع أن يؤدي الإطار التشخيصي الشامل لـ “إطار التقييم القطري للتمويل الإسلامي” دورا حاسما في تطوير منظومة التمويل الإسلامي داخل الدول الأعضاء، إذ إنه من خلال تحديد التحديات وتسليط الضوء على الفرص غير المستغلة في مرحلة مبكرة، يمكن لهذا الإطار أن يقدم توجيهات للتغلب على العقبات التي قد تعيق نمو الصناعة. وهذا الأمر يسهم في التوسع المستمر لصناعة التمويل الإسلامي العالمية.


ترجمة: د. محمود بكري


المدونون
Islamic Finance
القضاء على الجوع في أفريقيا: متابعة إعلان مابوتو في الدول الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية في جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية

Islamic Finance
نحو هندسة مالية إسلامية خضراء ومستدامة

Islamic Finance
ترويض التضخم: من منظور التمويل الإسلامي

Islamic Finance
هل لتقنية البلوكتشين قيمة في التمويل الإسلامي؟

Islamic Finance
قضية الصكوك المشفرة

Islamic Finance
المملكة العربية السعودية تتأهب لريادة التمويل الإسلامي على الصعيد العالمي

Check More Blogs From Turkhan Ali Abdul Manap

12 Nov, 2023 -Islamic Finance
Turkhan Ali Abdul Manap | English Article
Unlocking the Potential of Islamic Finance: An In-Depth Look at IsDBI’s Islamic Finance Country Assessment Framework

Introduction Over the past few decades, Islamic finance has gained significant recognition as a viable alternative to conventional finance. In...

Read
18 Sep, 2023 -Finance and Economics
Turkhan Ali Abdul Manap | مقال بالعربي
فتح الأبواب أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى أسواق رأس المال من خلال صندوق تعزيز الصكوك

تضطلع الشركات ذات الأحجام الصغيرة والمتوسطة بدور حيوي في تعزيز النمو الاقتصادي، حيث تشكل 90% من الأعمال، وتتيح ما بين...

قراءة المزيد
13 Sep, 2023 -Finance and Economics
Turkhan Ali Abdul Manap | English Article
Unlocking the Access of SMEs to Capital Markets through Sukuk Enhancement Fund

Introduction Small and medium-sized enterprises (SMEs) are vital in promoting economic growth, accounting for 90% of businesses, providing 60 to...

Read