بدايةً، لا بد من الإشارة إلى أن مفهوم الاستدامة في المنظور الاقتصادي لا يقتصر على تحقيق معدلات نمو مرتفعة فحسب، بل ينصرف أساساً إلى ضمان نمو اقتصادي طويل الأجل، متوازن ومستقر، لا يُلحق ضرراً بالبيئة، ولا ينتقص من قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. ويقوم هذا المنظور على إيجاد توازن دقيق بين الأهداف الاقتصادية، مثل الربحية والكفاءة، وبين الأبعاد الاجتماعية والبيئية، عبر تبنّي ممارسات تحدّ من استنزاف الموارد، وتقلل الآثار السلبية للتنمية، وتُعزّز العدالة الاجتماعية بما يحقق رفاه المجتمعات واستدامة ازدهارها.
في هذا السياق، تأتي هذه الوقفة لاستعراض مجموعة من المشاركات والدراسات البحثية المنشورة على الموقع الإلكتروني لمدونة معهد البنك الإسلامي للتنمية (https://blogs.isdbinstitute.org/)، التي تناولت قضية التنمية المستدامة، وسلّطت الضوء على الدور المحوري الذي يمكن أن يضطلع به الاقتصاد الإسلامي في هذا المجال، بما يحمله من مبادئ وأهداف تسعى إلى خدمة الإنسان، ومكافحة الفقر، وتمكين الأجيال الحاضرة والقادمة من مقومات الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
ويُعد تحقيق العدالة الاجتماعية أحد المرتكزات الأصيلة في الفكر الإسلامي، من خلال بسط المساواة والإنصاف، والتوزيع العادل للفرص والموارد، وتيسير الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والعمل اللائق، بما يكفل حياة كريمة في الحاضر والمستقبل. ولا يمكن بلوغ هذه الغايات إلا عبر تضافر جهود الحكومات والمؤسسات والأفراد في عالم يرزح تحت وطأة أزمات متلاحقة وتحديات معقّدة.
وانطلاقاً من ذلك، يُنظر إلى الاقتصاد الإسلامي باعتباره ركيزة أساسية من ركائز تحقيق مقاصد وأهداف التنمية المستدامة، لما يتمتع به من خصائص فريدة تسهم في بلورة ودعم توجه الأمم المتحدة نحو اعتماد التنمية المستدامة خارطة طريق للمستقبل، كما جاء في تقريرها الشهير الصادر عام 1987م تحت عنوان: (مستقبلنا المشترك). وقد حظيت مسألة تحقيق التنمية المستدامة من منظور الاقتصاد الإسلامي باهتمام بالغ من قبل معهد البنك الإسلامي للتنمية، الذراع المعرفية لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية في دولها الأعضاء السبع والخمسين.
ويكرّس المعهد أبحاثه ودراساته لتطوير المالية الإسلامية، وتوظيفها في قيادة مبادرات الاستدامة، عبر أدوات اقتصادية ومالية مبتكرة، تشمل الاستخدام الأمثل للزكاة والوقف، وتطوير المصرفية الإسلامية، إلى جانب أدوات تاريخية راسخة مثل الحوالة والصكوك. وتهدف هذه الأدوات، إلى جانب تحقيق العدالة الاجتماعية، إلى تدوير الثروة من خلال نظم مالية تتجنب الربا، وتخضع لضوابط شرعية واضحة. كما تشمل الابتكارات الحديثة تطوير منتجات تمويلية متوافقة مع الشريعة، وتوسيع استخدام الصكوك الإسلامية في تمويل المشاريع الكبرى، فضلًا عن معالجة قضايا معاصرة، من بينها مدى توافق العملات المشفرة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
ولغرض تيسير الاطلاع على هذه المقالات والدراسات ذات الطابع البحثي المتخصص، التي قد يصعب على غير المتخصصين استيعابها، تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على نماذج مختارة من الإنتاج المعرفي المنشور على موقع المعهد، بما يُبرز الدور الحيوي الذي يضطلع به في مجال المالية الإسلامية والتنمية المستدامة.
ومن بين ما نُشر على الموقع، مقالة للدكتور سامي السويلم بعنوان: (Is Riba Sustainable?)، وهي مقالة كُتبت أصلاً باللغة الإنجليزية ثم تُرجمت لاحقاً إلى العربية بعنوان: (هل الربا مستدام؟)، وتُعد امتداداً لمداخلة قدّمها الدكتور خلال الاجتماع الإستراتيجي الثاني حول الابتكار المستدام والمقاصد الشرعية في المالية الإسلامية، المنعقد في مدينة جدة بتاريخ 27 نوفمبر 2024.
تخلص هذه الدراسة إلى أن الربا (الفائدة) يمثل مفترق الطرق بين المصرفية الإسلامية والمصرفية التقليدية، مؤكدة أن الاستمرارية لا تعني بالضرورة الاستدامة، خاصة في ظل ما يخلّفه الربا من آثار مدمّرة، كتعميق الفقر، وتوسيع فجوة عدم المساواة، وزيادة مخاطر الأزمات الصحية والنزاعات عبر التاريخ. ويؤكد الباحث ضرورة اعتماد معيار عقلاني لتعريف الاستدامة اقتصادياً، يقوم على تلبية احتياجات الحاضر دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة، مع تحقيق توازن بين الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.
كما تميز الدراسة بين نوعين من الاستدامة: الاستدامة عبر المكان، وتتحقق عندما يكون تبني سلوك معيّن في مصلحة جميع أفراد المجتمع في أي زمان؛ والاستدامة عبر الزمان، التي تعني رضا الأجيال القادمة عن سلوكيات الجيل الحالي. ويبيّن الباحث أن الربا يخضع لما يُعرف بـ (مغالطة التعميم Fallacy of Composition)، حيث يُفترض خطأً أن ما ينفع بعض الأفراد سينفع المجتمع قاطبة، في حين أن تعميمه قد يفضي إلى ضرر شامل.
وتنتهي المقالة إلى أن الربا غير مستدام لا زمانياً ولا مكانياً، في حين يظل التمويل الإسلامي مستداماً ما دام مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالتجارة والإنتاج الحقيقي، وأن محاكاة الإقراض الربوي تؤدي حتماً إلى آثار سلبية.
كما استوقفتني دراسة أخرى أعدها الدكتور محمود البكري بعنوان: (نحو حقبة جديدة للتنمية المستدامة)، تناول فيها أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، وما ينبثق عنها من 169 غاية تمثل تحدياً عالمياً كبيراً في أفق 2030، ولا سيما في مجالات مكافحة الفقر، والحد من عدم المساواة، ومواجهة التغيرات المناخية، والتلوث البيئي.
ويشير الباحث إلى أن أجندة التنمية المستدامة لما بعد 2030، وخاصة أفق 2040، تهدف إلى حشد الجهود العالمية عبر حلول مبتكرة تركز على التمويل والتكنولوجيا والشراكات الدولية. كما يلفت إلى التحديات الديموغرافية المتوقعة، مع اقتراب عدد سكان العالم من عشرة مليارات نسمة خلال العقود المقبلة، ما يستدعي تحقيق توازن متكامل بين الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
وتبث المقالة روح التفاؤل بإمكانية تحقيق ازدهار مستدام، مع الإقرار بأن استمرار الفجوات التنموية بين الدول يشكل تحدياً رئيساً، خاصة في مجالات الأمن الغذائي والمائي وحماية التنوع البيولوجي، وهو ما يتطلب أدوات تمويلية مبتكرة، يأتي التمويل الإسلامي في مقدمتها، عبر الصكوك الخضراء والوقفية، والشمول المالي، والتمويل الاجتماعي.
وتؤكد المدونة الدور الريادي لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية، ومعهدها البحثي، في صياغة أجندة التنمية المستدامة 2040، من خلال الاستثمار في المعرفة، وبناء القدرات، وتوظيف الابتكار والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الشراكات الدولية.
ورغم أن المجال لا يتسع لتناول جميع المقالات ذات الصلة، إلا أنه من المفيد الإشارة إلى عدد من المدونات المهمة المنشورة على موقع المعهد، من بينها:
ويمكن للمهتمين الاطلاع على هذه الدراسات القيّمة عبر الرابط:
https://blogs.isdbinstitute.org/