نحو حشد موارد مالية متنوعة للتمويل الأصغر

محمود بكري

08 Feb, 2024

تشكل الظروف الاقتصادية العالمية والإقليمية الحالية تحديا مضاعفا ومخاطر إضافية للشركات الصغرى والناشئة، وبالتالي للمؤسسات الممولة لها؛ الأمر الذي يستدعي تعزيز الحلول المبتكرة لحشد الموارد المالية اللازمة في خضم تنافس كبير عليها من مختلف القطاعات الاقتصادية.

أهمية المؤسسات الصغرى الاقتصادية
تضطلع الشركات الصغرى بدور رئيس في معظم الاقتصادات، وخاصة في البلدان النامية. ونظرا لصغر الشركات الصغرى نسبيا فإنها غالبا ما تكون أكثر مرونة وأسرع في الابتكار من الشركات الكبيرة، وهو ما يجعلها الأفضل في تبني الاتجاهات والتقنيات الجديدة المهمة لأي اقتصاد. كما أنها تمثل غالبية الشركات في جميع أنحاء العالم، وتساهم بشكل جوهري في خلق فرص العمل والتنمية الاقتصادية العالمية، حيث تمثل حوالي 90% من الشركات وأكثر من 50% من العمالة في جميع أنحاء العالم، في حين تساهم الشركات الصغرى الرسمية بما يصل إلى 40% من الدخل القومي في الاقتصادات الناشئة. ووفقا لتقديرات البنك الدولي ستكون هناك حاجة إلى 600 مليون وظيفة بحلول عام 2030م لاستيعاب القوى العاملة العالمية المتنامية، مما يجعل تنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة أولوية قصوى للعديد من الحكومات في جميع أنحاء العالم.

صعوبة حشد التمويل
في الأسواق الناشئة، تخلق الشركات الصغيرة 70% من معظم الوظائف الرسمية. ومع ذلك، فإن الوصول إلى التمويل يمثل عائقا رئيسا أمام نمو الشركات الصغرى، ويمثل كذلك أحد أكثر العوائق التي تواجه الشركات الصغرى لتنمية أعمالها في الأسواق الناشئة والبلدان النامية. وتعد الشركات الصغيرة وسيلة للعمل الحر لمالكها؛ إذ إن من غير المرجح أن يتم إدراجها في أي سوق للأوراق المالية، في حين أنه من المرجح أن تكون مملوكة لعدد صغير نسبيا من المساهمين، إذ غالبا ما تكون غالبية المساهمين من عائلة واحدة ممتدة.
وعندما لا تتمكن الشركات الصغيرة من الحصول على قروض مصرفية مقارنة بالشركات الكبيرة، فإنها تعتمد على الأموال الذاتية، أو الأموال النقدية من الأصدقاء والعائلة، لإطلاق مشاريعها وإدارتها في البداية. وتشير تقديرات مؤسسة التمويل الدولية (IFC)  إلى أن 65 مليون شركة، أو ما يعادل 40% من المؤسسات الرسمية الصغرى والصغيرة والمتوسطة (MSMEs) في البلدان النامية، لديها احتياجات تمويلية غير ملبّاة تبلغ 5.2 تريليون دولار كل عام، وهو ما يعادل 1.4 ضعف المبلغ الحالي.


فجوة التمويل
وتشكو الشركات الصغرى من أن نقص التمويل يمنعها من النمو واستغلال الفرص الاستثمارية المربحة بشكل كامل. وتعرف هذه الفجوة بين التمويل المتاح للشركات الصغرى والتمويل الذي يمكنها استخدامه بشكلٍ منتجٍ باسم “فجوة التمويل“. وغالباً ما تشكو الشركات الصغرى من عروض مالية محدودة، فبمجرد أن يلبي المستثمرون المحتملون احتياجاتهم ورغبتهم في الإنفاق ويفرغون من دفع الضرائب المستحقة عليهم، لا يتبقى في كثير من الأحيان سوى القليل لاستثماره. كما أن العوائد المتاحة للمستثمرين على حساب الودائع النموذجي عادة ما تكون منخفضة للغاية، مما لا يجعل الاستثمار جذابا. وبالإضافة إلى ذلك فإن سوق المعروض المحدود من أموال المستثمرين تنافسية للغاية نظراً لأن لدى الحكومات والشركات الكبرى شهية كبيرة للحصول على الأموال المتاحة، وذلك يؤدي بالتالي إلى الضغط على قطاع الشركات الصغرى.

ويميل قطاع الشركات الصغرى إلى المعاناة، لأنه ينظر إليها على أنها فرصة استثمارية أقل جاذبية من العديد من القطاعات الأخرى، بسبب المستويات العالية من عدم اليقين والمخاطر المحتملة. فعادة ما يكون لدى الشركات الصغرى سجل محدود في زيادة الاستثمار وتوفير عوائد مناسبة لمستثمريها، كما أنها قلّ ما تمتلك ضوابط داخلية أو تكون محدودة للغاية، وكذلك تكون الضوابط الخارجية قليلة. فمن غير المرجح على سبيل المثال أن تلتزم بقواعد أي بورصة، ونظرا لحجمها فمن غير المرجح أيضاً أن تجتذب جهود التدقيق المالي العميق. وغالبا ما يكون لدى الشركات الصغيرة عدد قليل من الأصول الملموسة التي تقدمها على شكل ضمانات، ونتيجة لذلك يشعر المستثمرون بالقلق من الاستثمار فيها بحكم عدم معرفتهم بكيفية استخدام أموالهم وغموض العوائد التي قد يحصلون عليها. وبالتالي، فإن الأيسر للمستثمر الإحجام عن أي فرصة للاستثمار فيها، خاصة مع وجود الكثير من الفرص الاستثمارية الأخرى المتاحة.

وحيث إن من الصعوبة فعل الكثير لتغيير المعروض من الأموال أو السوق التنافسية لتلك الأموال، فإن من الممكن المساعدة في تقليل مستوى المخاطر التي يتصور للشركات الصغرى أن تواجهها، وبالتالي تحسين قدرتها على حشد التمويل. كما يمكن للشركات الصغرى في سعيها إلى حشد التمويل على سبيل المثال إثبات أنها عاملت المستثمرين السابقين بشكل جيد، واعتمدت بعض الضوابط الداخلية الرئيسة، وأن لديها نهجاً صارماً وموثقاً في صنع القرار، بشكل من المرجح أن يجعلها أكثر جاذبية للمستثمرين. ويختلف حجم الفجوة المالية بشكل كبير من منطقة إلى أخرى، حيث تشهد مناطق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على وجه الخصوص أعلى نسبة من الفجوة المالية مقارنة بالطلب المحتمل تصل إلى 88%، كما أن حوالي نصف الشركات الصغرى الرسمية لا تستطيع الوصول إلى الائتمان الرسمي.

مصادر التمويل المحتملة للشركات الصغرى
لئن كانت مصادر التمويل المحتملة للشركات الصغرى كثيرة فإن العديد منها يعاني من مشاكل عملية قد تحد من فائدتها.

التمويل الذاتي وأصحاب الأعمال
ويعد هذا مصدرا جيدا للتمويل لأن هؤلاء المستثمرين قد يكونون على استعداد لقبول عائد أقل من العديد غيرهم؛ ذلك أن دوافعهم للاستثمار ليست مالية بحتة. غير أن التمويل الذي يمكننا جمعه شخصيا، ومن الأصدقاء والعائلة، يظل محدودا إلى حد ما بالنسبة للغالبية. كما يمكن لأصحاب الأعمال توفير التمويل المطلوب، وهم عادة أشخاص أثرياء يرغبون في تحمل مخاطر الاستثمار في الشركات الصغرى، غير أن عددهم محدود. وهم عادة محددون أيضا بشأن ما هم على استعداد للاستثمار فيه، ولكن إثارة اهتمامهم قد تجعلهم مفيدين جدا للشركات الصغرى، حيث إن لكثير منهم غالبا فطنة تجارية كبيرة وعديد الاتصالات المفيدة.

التمويل البنكي والتأجير
عادة ما تكون البنوك على استعداد للإقراض على المدى الطويل، حيث يمكن تأمين هذا الإقراض على الأصول الرئيسة، مثل الأراضي والمباني. ولكن الحصول على تمويل متوسط الأجل لتمويل العمليات غالبا ما يكون أكثر صعوبة بالنسبة للشركات الصغرى، لأن البنوك الإسلامية تقليديا متحفظة إلى حد ما. وهذا أمر مفهوم نظراً لأن خسارة قرض واحد متعثر تتطلب العديد من القروض الجيدة لاسترداد تلك الخسارة. وبالتالي، ينتهي الأمر بالعديد من الشركات الصغرى إلى تمويل أصول متوسطة الأجل، وربما طويلة الأجل، بتمويل قصير الأجل. وتعرف هذه المشكلة غالبا باسم “فجوة النضج” نظرا لوجود عدم تطابق في نضج الأصول والالتزامات داخل الشركة. وعلاوة على ذلك، تطلب البنوك في كثير من الأحيان ضمانات شخصية من مالك مدير الشركة الصغرى، مما يعني أن على المالك المدير المخاطرة بثروته الشخصية من أجل تمويل الشركة. وغالبا ما يكون تأجير الأصول بدلا من شرائها مفيدا جدا للشركات الصغرى لأن التأجير يتجنب الحاجة إلى رفع تكلفة رأس المال. ومع ذلك، فإن التأجير ينحصر فقط على الأصول الملموسة مثل السيارات والآلات وما إلى ذلك.

الرأسمال المغامر والإدراج في البورصة
من أجل جذب تمويل رأس المال الاستثماري، يجب على الشركات الصغرى أن تطرح فكرة عمل من شأنها أن تخلق عوائد عالية يسعى إليها أصحاب رأس المال الاستثماري؛ إذ إنه بالنسبة للعديد من الشركات الصغرى التي تعمل في أعمال عادية قد لا يكون التمويل من رأس المال الاستثماري ممكنا.

وعلاوة على ذلك، فإن من النادر أن يرغب أصحاب رأس المال المغامر في الاستمرار في الاستثمار على المدى الطويل. وبالتالي، يجب أن يوضح لهم أي اقتراح كيف سيتمكنون من “الخروج” أو إطلاق قيمتهم بعد عدد من السنوات. ويتم ذلك غالبا عن طريق بيع الشركة إلى شركة أكبر تعمل في التجارة نفسها أو عن طريق تنمية الشركة إلى حجم يسمح بإدراجها في البورصة. ومن خلال تحقيق الإدراج في البورصة، تصير الشركة الصغرى شركة مدرجة، وبالتالي سيصبح جمع التمويل أيسر. غير أنه ينبغي قبل الإدراج أن تنمو الشركة إلى حجم يجعل الإدراج ممكنا، وهو ما لا يمكن للعديد من الشركات الصغرى أن تأمل في تحقيقه.

التمويل الجماعي

نما التمويل الجماعي بسرعة، ففي عام 2013م تم جمع أكثر من 5 مليار دولار أمريكي في جميع أنحاء العالم عبر التمويل الجماعي. كما أن هناك الآن ما يزيد عن 500 منصة للتمويل الجماعي على الإنترنت، ويتم إطلاق أكثر من 400 حملة تمويل جماعي يوميا.

إحدى ميزات التمويل الجماعي هي أنه يتيح للأشخاص البحث عن الأفكار والمشاريع التي لديهم اهتمام بها أو يؤمنون بها ومن ثم الاستثمار فيها، وبالتالي يكون هؤلاء المستثمرون في بعض الأحيان على استعداد لتحمل مخاطر أكبر وقبول عوائد أقل من المعتاد. وهناك ميزة أخرى، وهي أنه كما هو الحال في الحشد الحقيقي، هناك إمكانية للتفاعل داخل الحشد، ومن ثم فإن المؤيدين المتحمسين لفكرة معينة غالبا ما يشجعون الآخرين على المشاركة. وللتمويل الجماعي القدرة على أن يكون مفيدا جدا للشركات الصغرى، فهو يسمح لهم بالاتصال مباشرة بالمستثمرين الذين قد يكونون على استعداد لتحمل المخاطر التي ينطوي عليها تمويل التكنولوجيات والابتكارات الجديدة، التي غالبا ما تكون الشركات الصغرى هي القادرة على إنتاجها.

الدور الحكومي في التمويل

وتكمن أهميته في أن عدم قدرة الشركات الصغيرة على جمع التمويل لمشاريعها المربحة من المحتمل أن يضيع فرص الاستثمار، مما يؤثر على الثروة الوطنية سلبا. وعلاوة على ذلك، تحرص الحكومات على دعم الابتكار، وهو أحد المجالات التي تتفوق فيها الشركات الصغيرة في كثير من الأحيان، وتحرص الحكومات على دعم نموها لأن ذلك يعزز التوظيف. وتتمثل الطرق التي تساعد بها الحكومات الشركات الصغرى في:

  • تقديم المنح.
  • توفير الإعفاءات الضريبية: حيث تكون الحوافز الضريبية متاحة للراغبين في تحمل مخاطر الاستثمار في الشركات الصغرى على سبيل المثال.
  • تقديم المشورة: حيث تقدم منظمات تمولها الحكومة المساعدة لأولئك الذين يقومون بإنشاء وإدارة الأعمال التجارية، بما في ذلك المشورة بشأن جمع التمويل.
  • ضمان القروض: وذلك مقابل رسوم بسيطة تدفعها الشركات الصغرى، يتم عبرها ضمان نسبة كبيرة من أي قرض يقدمه البنك من قبل الحكومة. وبما أن هذا يقلل بشكل كبير من المخاطر التي يتعرض لها البنك، فمن المحتمل أن يكون أكثر استعدادا للإقراض.
  • توفير الاستثمار في الأسهم: مدعومة من الحكومات، تستثمر عديد منظمات رأس المال الاستثماري في أسهم الشركات الصغرى في عديد من البلدان.

أهمية الوقف بصفته حلاً تمويلياً
ناقشت دراسات عديدة استخدام الوقف النقدي لتمويل المشاريع، واقترح بعضها – لتوفير مصدر تمويل للفقراء الذين لا يمكنهم الحصول على التمويل الخارجي – فكرة دمج الوقف مع مفهوم القرض الحسن، وأوصت في هذا السياق بإنشاء وسيط مالي غير ربحي على شكل بنك يوفر القرض الحسن، بحيث يأتي ضخ رأس مال البنك من الوقف النقدي بينما يقدم البنك القرض الحسن بصفته شكلاً من أشكال التمويل للفقراء. كما اقترحت بعض الدراسات نموذجا يمكن من خلاله توسيع استخدام الوقف النقدي ليشمل تمويل رواد الأعمال من خلال مفهوم المضاربة، في حين اقترح بعضها استخدام الوقف النقدي أداةً للتمويل الأصغر للفقراء ورواد الأعمال.

وفي الوقت نفسه، تم استخدام الوقف النقدي لتعزيز الوصول المالي للشركات الصغرى في ماليزيا، حيث أسهم الوقف بدور مهم في النمو الاقتصادي المحلي والتنمية الاجتماعية والاقتصادية عبر استثمار الوقف النقدي في عقود تمويل الديون والأسهم، مثل المرابحة والإجارة والاستصناع وبيع بثمن آجل والمضاربة والمشاركة للشركات الصغرى في ماليزيا. كما أثبت الوقف النقدي أنه يمكن أن يكون حلا لعدم قدرة الشركات الصغرى الإندونيسية على الوصول إلى المؤسسات المصرفية الرسمية من خلال الاستخدام السليم واستثمار أصول الوقف النقدي، حيث أمكن للشركات الصغرى توسيع مشاريعها التجارية من خلال الشراكة مع مؤسسات الوقف النقدي.

وقد أظهرت نماذج الوقف النقدي المختلفة إمكانية دمج الوقف النقدي والمؤسسات الصغرى لمعالجة مسألة التمويل لأصحاب المشاريع الصغرى بشكل فعال. كما أظهرت أن التوجيه الصحيح لأموال الوقف لمؤسسات التمويل الأصغر الإسلامية من شأنه أن يؤدي إلى تطور إيجابي لمهارات وقدرات المقترضين حيث إن من شأنه أن يمكنهم من تزويد أنفسهم بالمهارات الإدارية وريادة الأعمال وتكنولوجيا المعلومات بما يسمح للوقف من الإسهام بدور فعال في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

تجربة إصدار الصكوك على شكل وكالة بالاستثمار في تونس
قررت شركة “الزيتونة تمكين” بنهاية 2023م  إصدار صكوك على شكل “وكالة بالاستثماربقيمة 6 ملايين دينار مقسمة على 60.000 سهم بقيمة اسمية قدرها 100 دينار تونسي (ما يعادل 30 دولارا أمريكيا) للسهم الواحد بصفتها إحدى الحلول لحشد الموارد المالية المطلوبة للتمويل الأصغر. وسيصل ريع الصكوك المصدرة إلى 10.65% ويستمر لمدة 7 سنوات بمخاطرة تجعل جميع الصكوك تفي بموضوع السداد بشكل جيد. وتجدر الإشارة إلى أن الوكالة بالاستثمار هو عقد يقوم بموجبه طرف أوّل، وهو الموكّل، بتوكيل طرف ثانٍ، وهو الوكيل، بالقيام بعمليات استثمارية في مجالات شرعية مع الاتفاق على هامش ربح متوقّع. ومقابل عقد الوكالة، يتّفق الطرفان على أجرة الوكيل التي يمكن أن تكون مبلغ مقطوعا أو نسبة من الأرباح المتحقّقة. وفي حالة تحقيق أرباح في نهاية العقد تتعدّى هامش الربح المتوقّع يتّفق الطرفان على الجهة التي تتمتّع بهذه الأرباح في شكل حوافز. وتعتبر “الزيتونة تمكين” أول مؤسسة للتمويل الأصغر في تونس ومنطقة المغرب العربي تتبنى نهج التمكين الاقتصادي الذي يركز على تمويل سلسلة القيمة، مع تطبيق مبادئ التمويل الإسلامي. ويتمثل الهدف في تعزيز الإدماج المالي والاقتصادي للشباب والسكان المحرومين، حيث تعمل مؤسسة “الزيتونة تمكين” عبر شبكة كبيرة مكونة من 19 فرعا تغطي غالبية الأراضي التونسية ومن خلال فرعين متنقلين للوصول إلى جيوب الفقر العميقة في تونس. كما يعتبر إنشاء مؤسسة “الزيتونة تمكين” على صعيد واسع إحدى قصص نجاح مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، حيث قامت منذ أوائل عام 2000م بتحسين تدخلاتها في مجال التمويل الأصغر للتخفيف من حدة الفقر. وقد أثبتت التجربة أن اقتصار التدخلات على التمويل أو بناء القدرات فقط لم يكن نهجا فعالا أو مستداما لتحقيق النتيجة المرجوة، ولذلك أطلق البنك الإسلامي للتنمية التمكين الاقتصادي بوصفه حلاً مبتكراً مصمماً حسب الطلب، يمكّن المستفيدين المستهدفين من لعب دور نشط في اقتصادات بلدانهم، مما يسمح لهم بالتطلع إلى حياة كريمة.

أهمية هذه المبادرة
وتعد تجربة الإصدار خطوة جريئة بحكم الظروف الاقتصادية العالمية والإقليمية، وليست تونس بمنأى عنها، خاصة في أعقاب جائحة كوفيد 19 التي أضرت بالاقتصاد التونسي المتراجع قبيله بالفعل وكان لها تأثير كبير على سيولة القطاع المالي؛ حيث أصبحت خطوط التمويل باهظة الثمن. كما لوحظت التداعيات المباشرة على مستوى تسعير منتجات التمويل الأصغر، وهو الأمر الذي يؤثر بدوره على استدامة الأعمال الصغيرة.

عوامل النجاح
تتركز عوامل النجاح الرئيسة لمؤسسة “الزيتونة تمكين” في التركيز على الإنتاجية والاستدامة الاقتصادية لأنشطة الشباب والفئات الضعيفة، حيث إن التخفيف من حدة الفقر يبدأ بالشمول الاقتصادي، الذي يهدف إلى إقامة علاقة حقيقية بين متلقي التمويل وممارسة الاقتصاد الحقيقي. ويتضمن الإدماج الاقتصادي للشخص عملية ربطه بالاقتصاد الحقيقي من خلال اكتشاف فرص استثمارية تتكيف مع مهاراته واحتياجاته، وفتح قنوات اتصال مع اللاعبين الاقتصاديين، ووضع خطط لبناء القدرات الفنية والإدارية، وبالطبع التمويل. كل ذلك في إطار يضطلع فيه تمويل سلسلة القيمة بدور مهم في تطوير المنتجات المالية المناسبة للشمول الاقتصادي واستدامة الأعمال الصغيرة.

ويعتمد نموذج أعمال مؤسسة “زيتونة تمكين” على بناء شراكات ذكية مع القطاعات العامة والخاصة والقطاع الثالث غير الربحي. وفي هذا الصدد، أنشأت شركة مؤسسة “زيتونة تمكين” مؤسستين: الأولى منظمة غير حكومية اسمها (تمكين للتنمية T4D)، والثانية شركة خدمات استشارية اسمها (المركز الدولي للتمكين الاقتصاديICEE ). ويتمثل الهدف من إنشاء المؤسستين بالأساس في تصدير نموذج التمكين الاقتصادي إلى البلدان المجاورة وتعميم هذا النهج على المستوى الدولي مع شركاء التنمية الأكفاء.

أهمية الابتكار بصفته أحد حلول مشكلة شح موارد التمويل

تمثل الصناديق الوقفية أحد مميزات المالية الإسلامية التي توفر تمويلا غير مكلف، أما في الدول التي يتعثر فيها التمويل الوقفي لاعتبارات متعددة فتلجأ مؤسسات التمويل الأصغر إلى أسواق المال، ويعد ذلك حلا مبتكرا رغم كلفة رأس المال نسبيا بالإضافة إلى كونه رهانا على نجاح المؤسسات المستثمر فيها.

ويمثل الإصدار الحالي لصكوك “الوكالة بالاستثمار” لمؤسسة “الزيتونة تمكين” حلا مبتكرا وجريئا في حشد الموارد المالية المطلوبة، ولا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة عالميا وإقليميا وعالميا، ولكنه في باطنه يحمل مراهنة على نجاح مؤسسة التمويل الأصغر في التعهد بالسداد، وهو ما يعكس قوة الثقة في أدائها. كما تجدر الإشارة إلى أنه يمكن استخدام الوقف لإعداد نماذج لتقديم الخدمات المالية للفئات الفقيرة من السكان، إذ تسلط مبادئ الوقف الأساسية الضوء على دور صناديق الوقف في توفير الأموال لمؤسسات التمويل الصغرى، حيث يمكن أن يساعد الوقف وغيره من الأعمال الخيرية، مثل الزكاة والإنفاق، في توفير مصادر تمويل إضافية ومستدامة لمؤسسات التمويل الصغرى بتكاليف منخفضة يمكن استخدامها لتمويل الفقراء وأصحاب المشروعات الصغرى.


المدونون
Finance and Economics
نحو مستقبل أخضر للسندات الزرقاء

Finance and Economics
المعالم والتحديات في اعتماد التكنولوجيا المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تعزيز إمكانية الوصول إلى الخدمات المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تحديات الهشاشة والتنمية في البلدان الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية: حالة النيجر

Finance and Economics
ترشيد استهلاك الطاقة في المملكة العربية السعودية: نحو اقتصاد أخضر موفر للطاقة

Finance and Economics
توسع مجموعة البريكس والديناميكيات المتغيرة في الاقتصاد العالمي

Finance and Economics
فتح الأبواب أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى أسواق رأس المال من خلال صندوق تعزيز الصكوك

Finance and Economics
أهمية تبني التقنيات المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تغيير نموذج النظام المالي العالمي

Finance and Economics
الأزمات العالمية وردود فعل البنك المركزي وانعكاس منحنى العائد

Check More Blogs From Mahmoud Bekri

24 Mar, 2024 -Finance and Economics
Mahmoud Bekri | مقال بالعربي
نحو مستقبل أخضر للسندات الزرقاء

برزت سوق السندات الزرقاء حديثا لتمثل إحدى أحدث الإضافات في سوق الديون المستدامة، التي تهدف إلى توجيه التمويل نحو مشاريع...

قراءة المزيد
16 Apr, 2023 -COVID-19
Mahmoud Bekri | مقال بالعربي
الحافز المنحرف: تلك الكوبرا التي تلدغ التنمية

مقدمةكتب مارك توين مرة في سيرته الذاتية متحدثا عن زوجته: وبمجرد وصولها إلى "هارتفورد"، كان عدد الذباب كبيرا لفترة من...

قراءة المزيد
06 Mar, 2023 -Islamic Finance
Mahmoud Bekri | مقال بالعربي
نحو هندسة مالية إسلامية خضراء ومستدامة

مقدمة تتعدد المنتجات المالية بتعدد الحاجة إليها، ولئن كانت بعض هذه المنتجات من أسباب الأزمات الاقتصادية عوض أن تسهم في...

قراءة المزيد