تحديات الهشاشة والتنمية في البلدان الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية: حالة النيجر

شيخ احمد ديوب, مصطفى يازجي

22 Nov, 2023

مقدمة

في خضم تزايد التحديات السياسية والأمنية في غرب أفريقيا في الآونة الأخيرة، تأتي الاضطرابات السياسية التي تكشفت في النيجر في يوليو/تموز 2023م لتزيد من مستوى الاهتمام والقلق على مستوى العالم. ولعل الموقع الإستراتيجي لدولة النيجر الذي تتقاطع عنده محاور شمال وغرب ووسط أفريقيا (الشكل 1)، وكذلك مواردها المعدنية، وأراضيها الشاسعة التي تبلغ مساحتها 1,267,000 كيلومتر مربع (وهي الأكبر بين المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (ECOWAS، ونموها الديموغرافي المطرد، جميعها تعد من عوامل الاهتمام بالتطورات السياسية في النيجر. وعلى كل حال، فإن الوضع في البلاد ليس معزولا عن غرب أفريقيا ومنطقة الساحل. وتهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على التحديات الاقتصادية الأساسية التي تواجهها النيجر، وكيف تتفاقم هذه التحديات بسبب الهشاشة. كما تسعى المقالة إلى تحليل التأثيرات المحتملة للاضطراب السياسي الأخير على آفاق التنمية في البلاد.

الشكل 1:


أولا: تحديات التنمية الحاسمة التي تواجهها النيجر

تحيط بالنيجر سبع دول مجاورة: الجزائر وليبيا من الشمال، ونيجيريا وبنين من الجنوب، وبوركينا فاسو من الجنوب الشرقي، وتشاد من الشرق، ومالي من الغرب (الشكل 1). ويبلغ عدد سكان النيجر 26.2 مليون نسمة وفق إحصاءات عام 2022م بمعدل نمو سكاني قدره 3.8%. وعلاوة على ذلك، فهي تتمتع بأعلى معدل خصوبة في العالم، بحوالي سبعة أطفال لكل امرأة. ومن المتوقع أن يصل عدد سكان البلاد إلى 70 مليون نسمة بحلول عام 2050م، وتشير التركيبة السكانية للبلاد إلى ارتفاع عدد صغار السن؛ حيث إن حوالي 49٪ لا تزيد أعمارهم عن 14 عاما وفقاً لإحصاءات عام 2022م.

  1. الاعتماد على السلع الأساسية والضعف الاقتصادي

منذ استقلال دولة النيجر في عام 1960م، اعتمد اقتصادها بشكل أساسي على الزراعة، وأثرت عدة سنوات من الجفاف وأزمة النفط في أوائل السبعينات سلبا على آفاق التنمية الاقتصادية. وفي السنوات التالية، أثرت التطورات السياسية وأسعار السلع الأساسية والمناخ على ديناميكيات التنمية الاقتصادية في البلاد، وحالت دون تحقيق أي تحول هيكلي كبير في هذه العملية. وكما يبين الشكل 2أ، فقد انخفضت حصة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي للنيجر من أكثر من 70% إلى حوالي 40% منذ الستينات. ومع ذلك، ظلت حصة العمالة في الزراعة مستقرة نسبيا منذ التسعينات (الشكل 2ب). وبعبارة أخرى، لم تتمكن البلاد من تحويل غالبية القوى العاملة من القطاع الزراعي التقليدي إلى قطاعات أخرى مثل الصناعة والخدمات، إلى حد كبير.

الشكل 2: الهيكل الاقتصادي للنيجر

المصدر: البنك الدولي، مؤشرات التنمية العالمية، 4 يوليو 2023م

وفيما يتعلق بالهيكل التجاري للنيجر، فتتمثل الصادرات الرئيسة للبلاد اعتبارا من عام 2022م في اليورانيوم والبترول والذهب والمنتجات الزراعية. وتعد النيجر ثاني أكبر مصدر لليورانيوم في العالم، بحصة تبلغ 14.8% من صادرات اليورانيوم العالمية. وفي المقابل، فإن صادرات النيجر من الخامات والمعادن، التي يشكل اليورانيوم الجزء الأكبر منها، تمثل 6% من إجمالي صادراتها. وفي عام 2022م بلغ إجمالي صادرات النيجر السلعية 1.3 مليار دولار أمريكي (9٪ من الناتج المحلي الإجمالي) مقارنة بإجمالي وارداتها السلعية البالغة 3.8 مليار دولار أمريكي (26٪ من الناتج المحلي الإجمالي). ويشير هذا إلى عجز تجاري قدره 2.5 مليار دولار أمريكي (18٪ من الناتج المحلي الإجمالي) في عام 2022م. وتضم قائمة شركاء التصدير الرئيسين للنيجر في عام 2022م الإمارات العربية المتحدة (57.8٪)، وفرنسا (8.0٪)، والصين (7.7٪)، ومالي. (6.3%)، وبوركينا فاسو (5.0%).

  1. فخ الدخل المنخفض

بين عامي 1961م وَ2022م بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي في النيجر 2.9%، وبلغ متوسط النمو السكاني 3.2%. ونتيجة للأداء الاقتصادي الضعيف للبلاد وارتفاع النمو السكاني، اتخذ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي اتجاها هبوطيا لعدة عقود بين عامي 1965م وَ2004م (الشكل 3 أ). وباعتبارها واحدة من أفقر البلدان في العالم، تصنف النيجر لدى الأمم المتحدة ضمن أقل البلدان نموا ، وتحتل المرتبة 189 من بين 191 دولة في مؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وعلى الرغم من التحديات التنموية الهائلة التي تواجهها، فقد حققت النيجر أداء اقتصاديا جديرا بالثناء منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي 5.7% سنويا من عام 2005م إلى عام 2022م، مقارنة بمتوسط 1.2% من عام 1965م إلى عام 2004م. وتماشيا مع أداء النمو القوي هذا، انخفضت نسبة الفقر في البلاد (خط الفقر الدولي عند 2.15 دولارا أمريكيا في اليوم) من 80.5% في عام 2005م إلى 50.6% في عام 2018م (الشكل 3 ب). والواقع أن النيجر وصلت إلى نقطة الإنجاز ضمن مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، الأمر الذي أدى إلى تخفيف عبء الديون بشكل كبير.

الشكل 3: النمو الاقتصادي واتجاهات الفقر

المصدر: التوقعات السكانية العالمية للأمم المتحدة (2022)، ومؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي (2023).

ومع ذلك، يعاني اقتصاد النيجر من عجز خارجي هيكلي، حيث بلغ رصيد حسابها الجاري في المتوسط (-12.4%) في الفترة من 2006م إلى 2022م، بسبب شروط التجارة غير الملائمة واعتمادها على السلع الأساسية. أما من حيث التمويل، فتعتمد البلاد بشكل كبير على المساعدات التنموية الرسمية والمعونات الرسمية، التي بلغ متوسطها 10% من ناتجها المحلي الإجمالي بين عامي 2006م وَ2021م.

وتسود حالة من عدم اليقين بشأن مدى ومدة الاضطراب الناجم عن الاضطرابات السياسية الأخيرة في البلاد، حيث لا تزال التوترات الجيوسياسية في منطقة غرب أفريقيا كبيرة، كما قد يهدد تصاعد هذه التوترات عقودا من التعاون الاقتصادي وجهود التكامل مما يؤدي إلى إضعاف آفاق التنمية في المنطقة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن موقع النيجر غير الساحلي واعتمادها على المعونات الخارجية يجعلها عرضة للعقوبات الاقتصادية والمالية، مثل إغلاق الحدود وتعليق المساعدات التنموية الرسمية.

ثانيا. معالجة الأسباب الجذرية للهشاشة

وتصنف النيجر ضمن السياقات الهشة وفقا لتقييم إطار منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2022م، كما أنها أدرجت ضمن قائمة البنك الدولي للأوضاع الهشة والمتأثرة بالصراعات منذ يوليو 2020م. وفيما يتعلق بالهشاشة الاقتصادية والبيئية، يمكننا تحديد عوامل الخطر الرئيسة بالنسبة للنيجر في عدة أمور، هي: الاعتماد على الموارد، وعجز الحساب الجاري، النزوح المرتبط بالظروف البيئية، والافتقار إلى القدرة على التكيف مع تغير المناخ، والجرائم المتعلقة بالموارد غير المتجددة، والإجهاد المائي.

ولا يرجع تصنيف النيجر ضمن المناطق المتأثرة بالصراعات إلى حوكمتها في حد ذاتها، بل يرجع ذلك بشكل أساسي إلى مشكلاتها الأمنية، إذ تؤثر قضاياها الأمنية على المناطق الزراعية الأساسية في البلاد، مما يسبب اضطرابات في إنتاج وتقديم الخدمات للسلع الزراعية.

ويبين الشكل 4 تطور أداء النيجر وفقا لإطار التقييم القطري للسياسات والمؤسسات الصادر من البنك الدولي. أولا، تحسنت النتيجة الإجمالية للنيجر وفقاً لتقييم الإطار من 3.26 في عام 2005م إلى 3.44 في عام 2022م (1 = منخفض إلى 6 = مرتفع). ثانيا، يعد هذا الأداء أعلى من متوسطات العديد من المجموعات، بما في ذلك المتوسطات الخاصة بإجمالي البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية ومنطقة جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية (الشكل 4 أ). وعلاوة على ذلك، فإن أداء النيجر وفقاً لتقييم الإطار يرجع في المقام الأول إلى الجودة العالية نسبيا لإدارتها الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، ترتبط أضعف الدرجات في البلاد بإدارة القطاع العام ومؤسساته، والإدماج الاجتماعي أو العدالة الاجتماعية (الشكل 4 ب).

الشكل 4. أداء التقييم القطري للسياسات والمؤسسات (2005- 2022)

المصدر: مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي، سبتمبر 2023م.

ومن هذا المنطلق، يجب أن تركز تدخلات المؤسسات التنموية لدعم البلاد على بناء القدرات والتنمية البشرية، كما يجب أن تعالج تحديات الضعف الاقتصادي والبيئي في البلاد لتعزيز القدرة على الصمود وتهيئة الظروف المواتية لأنشطة اقتصادية أكثر استقرارا واستدامة.

الخاتمة
يشكل الاستقرار السياسي أحد الشروط المسبقة الحاسمة لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة. وتشير الأدلة الواضحة إلى أن البلدان التي لا يمكنها الحفاظ على الاستقرار السياسي، لا يمكنها تحقيق الأهداف الاقتصادية، مثل: النمو المستدام، والقضاء على الفقر، والتنمية الشاملة. وفي هذا السياق، يجب إعطاء الأولوية في التدخلات الإنمائية للأبعاد الحاسمة، مثل: التنمية البشرية، والتغير المناخي والبيئي، وبناء القدرات المؤسسية.

شيخ أحمد ديوب، كبير الاقتصاديين

مصطفى ياقجي، كبير الاقتصاديين

ترجمة: د. محمود بكري


المدونون
Finance and Economics
نحو حشد موارد مالية متنوعة للتمويل الأصغر

Finance and Economics
المعالم والتحديات في اعتماد التكنولوجيا المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تعزيز إمكانية الوصول إلى الخدمات المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
ترشيد استهلاك الطاقة في المملكة العربية السعودية: نحو اقتصاد أخضر موفر للطاقة

Finance and Economics
توسع مجموعة البريكس والديناميكيات المتغيرة في الاقتصاد العالمي

Finance and Economics
فتح الأبواب أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى أسواق رأس المال من خلال صندوق تعزيز الصكوك

Finance and Economics
أهمية تبني التقنيات المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تغيير نموذج النظام المالي العالمي

Finance and Economics
الأزمات العالمية وردود فعل البنك المركزي وانعكاس منحنى العائد

Check More Blogs From Cheikh Ahmed Diop

22 Nov, 2023 -Finance and Economics
Cheikh Ahmed Diop | English Article
Fragility and Development Challenges in IsDB Member Countries: The Case of Niger

Introduction While the political and security-related challenges in West Africa have risen recently, the political turmoil that unfolded in Niger...

Read
29 Apr, 2023 -COVID-19
Cheikh Ahmed Diop | مقال بالعربي
الأزمة المصرفية الأمريكية ومخاطر العدوى العالمية

مقدمة أدى انهيار بنك وادي السيليكون (SVB) وبنك سيجنتشر (Signature Bank) في الفترة بين 8 و10 مارس 2023م إلى حدوث...

قراءة المزيد
30 Mar, 2023 -Finance and Economics
Cheikh Ahmed Diop | English Article
US Banking Crisis and Risks of Global Contagion

Introduction The collapse of Silicon Valley Bank (SVB) and Signature Bank on 8-10 March 2023 has triggered deep financial turmoil...

Read