المقال مقتبس من الكلمة التي ألقاها سعادة السيد/ راشد زايد الغساني خلال الاجتماع الرابع والأربعين لمجلس الخدمات المالية الإسلامية في مدينة جيبوتي بتاريخ 2 يوليو 2024م.
إنني ممتن للأمين العام لمجلس الخدمات المالية الإسلامية، السيد غياث سبسيغ، على دعوتي للمشاركة ببعض الأفكار في هذه الجلسة الشاملة لمجلس الخدمات المالية الإسلامية. وسأبدأ مداخلتي ببعض الدروس المستفادة من الأزمات المالية المختلفة التي وقعت خلال العقود الثلاثة الماضية في مناطق مختلفة، ثم أسلط الضوء على الدروس التي يمكن لصناعة الخدمات المالية الإسلامية وجميع المشاركين في هذه المائدة المستديرة استخلاصها لأسواقنا.
إدارة الأزمات في القطاع المصرفي
على الرغم من أن الحظ كان حليف صناعة الخدمات المالية الإسلامية حتى الآن في تجنب أزمة واسعة النطاق، إلا أنه ينبغي استخلاص دروس قيمة من التمويل التقليدي من أجل إدارة أي تحديات مستقبلية محتملة بشكل فعال. وقد سجل قطاع التمويل الإسلامي حتى الآن نجاحاً ملحوظاً في حل القضايا المعزولة على المستوى الوطني في الوقت المناسب وبطريقة محسوبة، وتمثل هذه التجربة أساسا قويا لبناء بروتوكولات قوية لإدارة الأزمات.
إن طبيعة الأزمة ووتيرتها تختلف بشكل كبير بحسب القطاع المتأثر ومستوى الترابط داخل النظام. فالأزمات المصرفية، على سبيل المثال، تميل إلى الانتشار بسرعة بسبب الدور الحيوي للسيولة، إذ إن السهولة التي يمكن بها سحب الأصول وما يترتب على ذلك من التأثير على الثقة من شأنها أن تزيد من وتيرة مثل هذه الطوارئ المالية.
ومن خلال ما شهدته العقود الثلاثة الماضية من العديد من هذه الأحداث، فإن الفحص الدقيق يكشف عن خيوط مشتركة واختلافات حاسمة. إن أحد العناصر المشتركة في هذه الأزمات هو تزعزع الثقة في المؤسسات المالية، الذي يمكن أن ينجم عن الإفراط في التعرض للمخاطر، أو عدم التطابق بين الأصول والالتزامات، أو الصدمات الاقتصادية الخارجية. وحين تتراجع الثقة تتصاعد عمليات سحب الودائع، الأمر الذي يؤدي إلى خلق أزمة سيولة يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة بسرعة. وكثيرا ما تتفاقم سرعة وشدة هذه الظاهرة بسبب الترابط الداخلي في النظام المالي الحديث.
“أحد العناصر المشتركة في الأزمات هو تزعزع الثقة في المؤسسات المالية”
ومع ذلك، فإن هذه المحفزات المحددة والآثار المترتبة عن الأزمات يمكن أن تختلف بشكل ملحوظ. فعلى سبيل المثال، كانت الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات مدفوعة في المقام الأول بمزيج من انخفاض قيمة العملة والعجز غير المستدام في الحساب الجاري. وفي المقابل، نشأت الأزمة المالية العالمية في عام 2008م ضمن شبكة معقدة من المنتجات المحولة إلى أوراق مالية والرقابة التنظيمية المتراخية. وبشكل مماثل نشأت الأزمة المالية في عام 2023م في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب اعتماد بعض البنوك المفرط على مصادر التمويل قصيرة الأجل، مما أدى إلى مشاكل في السيولة وإفلاس البنوك عندما ارتفعت أسعار الفائدة. وقد كان لصعود التقانة أيضا دور تحويلي، ففي حين أنها توفر الكفاءة والابتكار، يمكنها أيضا أن تؤدي إلى تفاقم نقاط الضعف من خلال التداول عالي التردد والأنظمة الخوارزمية المترابطة.
إطار إدارة الأزمات لصناعة الخدمات المالية الإسلامية
العنصر الأول من عناصر إطار إدارة الأزمات في الصناعة المصرفية الإسلامية هو “التخطيط للتعافي والتسوية”. وقد نشر مجلس الخدمات المالية الإسلامية أعمالا قيمة في هذا المجال، وهذا هو الوقت الذي ينبغي فيه لجميع البنوك المركزية المجتمعة حول هذه المائدة المستديرة أن تفكر في تطبيق إرشادات مجلس الخدمات المالية الإسلامية حول هذا الموضوع في أنظمتها الخاصة بالتعافي والتسوية في القطاع المصرفي.
إن حل الأزمات في قطاع التمويل الإسلامي ينطوي على تحديات فريدة من نوعها؛ فقد تُواجه قطاعات التمويل الإسلامي الأصغر حالات تقوم فيها جميع المؤسسات بتفريغ أصولها في وقت واحد في سوق متعثرة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن افتقار البنوك المركزية إلى آليات متطورة داعمة للسيولة ومتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية يمكن أن يعيق الاستجابة للأزمات.
وينطبق ذلك حتى على الدعم داخل المجموعة بين المؤسسات المالية الإسلامية، إذ يمكن أن يكون معقدا بسبب الحاجة إلى الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالمعاملات والقيود المفروضة على أنواع معينة من العقود. كما تتطلب التدخلات التنظيمية أيضا دراسة متأنية لضمان الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، وخاصة عند التعامل مع أدوات رأس المال المشابهة للأسهم والعقود القائمة على الديون ومطالبات ملكية الأصول. وأخيرا، فإن حل المؤسسات المخفقة من خلال بيع الأصول أو تحويلها، فضلا عن إدارة الأصول المتعثرة ضمن هياكل تقاسم الأرباح، يستلزم الالتزام بالحوكمة الشرعية وضمان توافق الممارسات مع الشريعة طوال العملية.
“إن حل الأزمات في قطاع التمويل الإسلامي ينطوي على تحديات فريدة من نوعها”
العنصر الثاني من عناصر إطار إدارة الأزمات هو التأمين على الودائع. ويعد إطار تأمين الودائع المتطور عنصرا لا غنى عنه في أنظمة الاستقرار المالي في عالم ما بعد الأزمات. وكما هو موضح في العديد من منشورات مجلس الخدمات المالية الإسلامية، فإن توسيع نطاق حماية التأمين على الودائع التقليدية ليشمل البنوك الإسلامية ينطوي بحد ذاته على تحديات شتى، ومنها: (1) قضايا في المبادئ الأساسية للتأمين على الودائع التقليدية (الغرر الشديد والربا وما إلى ذلك)؛ (2) معالجة وتأمين الودائع المقبولة بموجب عقود تقاسم الأرباح؛ (3) أولوية المطالبات على نظام تأمين الودائع لمختلف أنواع الودائع لدى البنوك الإسلامية؛ (4) دور صندوق تأمين الودائع في التسوية.
وقد أظهرت الدراسات الاستقصائية التي أجراها مجلس الخدمات المالية الإسلامية أن وتيرة التقدم الذي أحرزته البنوك المركزية ومقدمو خدمات تأمين الودائع في توفير مثل هذه المخططات على أساس متوافق مع الشريعة الإسلامية كان بطيئا إلى حد ما، وأن 6 أو 7 بنوك مركزية فقط أطلقت بالفعل مثل هذه المخططات.
وفي سلطنة عمان، وافقت الهيئة العليا للرقابة الشرعية في مصرفنا المركزي على نظام للتأمين على الودائع متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية على أساس التكافل. ونحن نخطط لتنفيذ هذا المخطط لبنوكنا ونوافذنا الإسلامية بعد صدور موافقة على قانون جديد للتأمين على الودائع.
العنصر الثالث والأخير من عناصر إطار إدارة الأزمات هو مقرض الملاذ الأخير وإطار إدارة السيولة؛ إذ إنه بالنسبة للمصارف الإسلامية يمكن لدعم السيولة من البنك المركزي على أساس متوافق مع الشريعة الإسلامية أن يمثل سدا منيعا، بحيث يضخ الأموال الحيوية في النظام للحفاظ على التدفق السلس للائتمان.
وإننا في سلطنة عمان بصدد تقديم منتجات لإدارة السيولة متوافقة مع الشريعة الإسلامية تشمل جميع الجوانب الرئيسة لدعم إدارة السيولة من قبل البنك المركزي. وتشمل هذه الحلول: تسهيلات الإيداع في سوق المال المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية بالدولار الأمريكي والريال العماني، وتسهيلات السيولة الدائمة، ودعم مقرض الملاذ الأخير، ومنتج السيولة خلال اليوم.
وبالإضافة إلى ذلك، قمنا بتطوير منتجات لأذونات الخزانة الإسلامية (t-bills) وشهادات الإيداع (CDs)، كما قمنا بالفعل بإطلاق تسهيلات الإيداع في سوق المال المتوافقة مع الشريعة الإسلامية بالدولار الأمريكي، وقد لاقت استجابة إيجابية للغاية في السوق.
ونخطط بعد تطوير نظام الخزينة عبر الإنترنت (الذي لا يزال قيد التطوير حاليا) لإطلاق هذه المنتجات تدريجيا لصالح مصارفنا ونوافذنا الإسلامية في المستقبل القريب. ومن خلال الاعتراف بالقواسم المشتركة والسمات الفريدة للأزمات المصرفية السابقة، بات بوسعنا تحسين نهجنا في التعامل مع التنظيم والإشراف المالي، سواء بالنسبة للمؤسسات المالية التقليدية أو الإسلامية. أما الاعتبار الأكثر أهمية فيتمثل في تعزيز ثقافة إدارة المخاطر داخل المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة، والتكيف المستمر مع الأنظمة لمعالجة التهديدات الناشئة، والاستفادة من إمكانات التقانة مع التخفيف من مخاطرها. وستكفل هذه الجهود المشتركة أن يبقى النظام المالي الذي نشرف عليه مرناً في أوقات الاختبار ليكون بمثابة حجر الزاوية للنمو الاقتصادي المستدام وتنمية القطاع المالي.
ترجمة: د. محمود بكري
Excerpts from remarks delivered by H.E. Mr. Rashid Zayid Al Ghassani during the 44th Islamic Financial Services Board (IFSB) Council...
Read