الحلول التكافلية: سد فجوة الحماية المناخية



12 May, 2025

هذه المقالة مترجمة عن الإنجليزية لمدونة إلكترونية بعنوان: “The Takaful Solution: Bridging the Climate Protection Gap“.

ترجمة: د. محمود بكري

يشهد العالم ارتفاعا في درجات الحرارة بوتيرة أسرع من المتوقع؛ فقد استمر تحطيم الأرقام القياسية لدرجات الحرارة خلال  عام 2024م بشكل أدى إلى موجات جفاف وحرائق غابات وحرارة مفرطة أثرت على أعداد أكبر من الأفراد والمجتمعات الأكثر هشاشة حول العالم.

وفي الدول النامية التي تكون آثار تغير المناخ فيها أشد حدة لا تحظى الغالبية العظمى من الأفراد والوظائف والممتلكات بأي نوع من التأمين؛ فعلى سبيل المثال لا يتجاوز عدد المزارعين المؤمّنين في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء 3%، كما أن شخصا واحدا فقط من كل عشرة أشخاص يمتلك شكلا من أشكال التأمين في الدول الـ 36 منخفضة الدخل المشمولة في التقرير المرتقب المعنون بـ: “مشهد التأمينات الصغرى”.

تصاعد المخاطر المناخية وضعف القدرة المالية على الصمود

ومن بين الدول الثلاثين الأكثر تأثرا بتغير المناخ، فإن أكثر من نصفها ذات أغلبية مسلمة. كما تصنف ثلثا الدول منخفضة الدخل ذات الكثافة السكانية المسلمة ضمن النصف الأدنى من حيث القدرة على التأقلم مع تغير المناخ والاستعداد له. وتتشابه تأثيرات الكوارث الطبيعية من قبيل الفيضانات المدمرة في إندونيسيا وباكستان، وتفاقم ندرة المياه والجفاف في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وارتفاع مستويات البحار الذي يهدد المدن الكبرى والجزر الصغيرة.

ولا تقتصر المخاطر على المجتمعات الإسلامية وحدها، بل يواجه العالم بأسره تصاعدا في المخاطر والصدمات المرتبطة بتغير المناخ. ومع ذلك، فإن المجتمعات الإسلامية بحاجة إلى حلول مالية تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية. وهو تحد ديني يضاف إلى تحديات أخرى يواجهها العالم بأسره، كما هو الحال بالنسبة إلى الوصول إلى الخدمات المالية، وضعف الثقة، وقلة الموارد.

التكافل حل ممكن

الجيد هو أن الحلول البديلة للتأمين والمتوافقة مع الشريعة ممكنة، وتتمثل في التكافل. فالتكافل يستند إلى ممارسات عربية قديمة في تقاسم المخاطر داخل المجتمعات، إلا أن شكله المعاصر حديث لا يتجاوز ثلاثة إلى أربعة عقود من الزمن. وقد يشبه التكافل في بعض جوانبه التأمين التعاوني من حيث كونه قائما على مبدأ النفع العام للمجتمع.

وكما هو الحال مع أشكال الحماية المالية الأخرى، يمكن للتكافل أن يؤدي دورا أكبر من مجرد تغطية المخاطر، فهو يساعد الأفراد على فهم المخاطر وإدارتها، ويؤمن سبل العيش ويحمي الأصول، بل وقد يحفز الاستثمار من خلال تصميم منتجات تقلل من الغموض والمخاطر، كما أنه يساهم في توسيع الشمول المالي.

في نهاية عام 2023م أصدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، بالتعاون مع البنك الإسلامي للتنمية ومعهد البنك الإسلامي للتنمية، تقريرا بعنوان: “ضمان مستقبل مستدام: بناء القدرة على الصمود أمام التغير المناخي من خلال التكافل“، يستعرض الإمكانات والفرص التي يقدمها التكافل لسد فجوة الحماية المالية. ويقدّم التقرير أربع توصيات إستراتيجية للعمل المنسق، من بينها دمج التكافل في الإستراتيجيات الوطنية للمناخ، وتفعيله على المستوى السيادي، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

ويعد أفق نمو سوق التكافل واعدا بوجه عام؛ إذ يتجاوز معدل النمو العالمي 10% سنويا، وإن كان من قاعدة صغيرة. ويقود هذا النمو تزايد الوعي والاهتمام بالبدائل المتوافقة مع الشريعة للتأمين التقليدي، إلى جانب قدرة شركات التكافل على توظيف التكنولوجيا في تطوير وتسويق وتوزيع وتشغيل منتجاتها.

ومن بين الاتجاهات الإيجابية ما سجلته كل من بنغلاديش وماليزيا وباكستان والمملكة العربية السعودية من نمو ملحوظ في قطاع التكافل. وتقدر جمعية التكافل الماليزية أن نحو 20% من السكان يحظون حاليا بحماية مالية من خلال التكافل، وتسعى الجمعية إلى مضاعفة هذا الرقم بحلول عام 2027م، مع التركيز على أصحاب الدخل المنخفض والعاملين في القطاعات غير الرسمية والوظائف المؤقتة.

استثمار التكافل لتعزيز الصمود المناخي

على الرغم من ذلك لا بد من التعامل مع هذا التفاؤل بحذر، فالطريق لا يزال طويلا، ولا يزال مليارات الأشخاص عرضة للمخاطر المتزايدة، ورغم ضخامة الفرصة المتاحة للوصول إليهم، فإن التحديات لا تقل شأنا وأهمية.

وتتضمن بعض التحديات الرئيسة ما هو شائع في عملية تطور التأمين بشكل عام، مثل ضعف الفهم وصعوبة الوصول، خصوصًا من قبل الفئات الأكثر هشاشة. كما أن المنتجات غالبا لا تصمم بما يتلاءم مع الاحتياجات المحلية والوطنية، ولا يزال هناك اعتقاد سائد بأن منتجات التكافل مخصصة للمسلمين فقط، في حين أنها تعد نموذجا يمكن أن تستخدمه الأسر والشركات من مختلف الخلفيات الدينية والعرقية لحماية ما يهمها ماليا.

وتظل قاعدة الانخراط في التكافل فعليا منخفضة للغاية، ولا تزال غير مستغلة بشكل كبير بصفتها أداة لإدارة المخاطر المالية. ففي حين أنه من المتوقع أن يرتفع حجم مساهمات التكافل إلى ما يقرب من 74 مليار دولار بحلول عام 2032م، إلا أن هذا أقل من الأقساط التي تحققها بعض شركات التأمين الفردية في عام واحد. فمن بين مليار نسمة من السكان مجتمعين في أكبر خمس دول ذات أغلبية سكانية مسلمة – بنغلاديش ومصر وإندونيسيا ونيجيريا وباكستان – فإن أقل من 2% من السكان يحصلون على التأمين من أي نوع، بما في ذلك التأمين التكافلي.

ومع أن مساهمة التكافل المالية آخذة في الازدياد، وقد تصل إلى نحو 74 مليار دولار بحلول عام 2032م، فإن هذا الرقم لا يزال أقل من إجمالي أقساط التأمين التي تحققها بعض شركات التأمين التقليدية في عام واحد.

وفي أكبر خمس دول ذات أغلبية سكانية مسلمة – وهي بنغلاديش، مصر، إندونيسيا، نيجيريا وباكستان – يبلغ إجمالي عدد السكان قرابة مليار نسمة، إلا أن أقل من 2% منهم فقط يحصلون نوع ما من التأمين، بما في ذلك التكافل.

ولحماية الفئات الضعيفة حول العالم من الآثار المتزايدة لتغير المناخ، لا بد أن يعمل صناع السياسات والجهات المعنية في القطاعين العام والخاص معا على تعزيز استخدام التكافل بصفتها أداة أساسية للحماية المالية. وفي هذا الإطار، يتولى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قيادة إنشاء “تحالف عالمي للتكافل”، يهدف إلى جمع المؤسسات العامة والخاصة لتحقيق هدف طموح يتمثل في تعزيز الصمود المالي لـ 100 مليون شخص بحلول عام 2030م.

من الواضح اليوم أن الحاجة إلى الحماية المالية تتزايد مع تصاعد الأزمات المناخية والمخاطر البيئية، ويجب أن يكون التكافل جزءاً من الحل.

للاطلاع على آخر المستجدات بشأن عملنا المشترك في تعزيز الصمود المالي من خلال التكافل، يمكن التواصل عبر البريد الإلكتروني     [email protected]

تنويه: إن الآراء الواردة في هذه المقالة تعبر عن رأي المؤلفين، ولا تعكس بالضرورة السياسات الرسمية أو المواقف المؤسسية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أو مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، أو مجلسها التنفيذي أو هيئتها الشرعية. ولا يضمن كلا الطرفين دقة المعلومات الواردة في هذا المقال.


المدونون
Finance and Economics
نحو مستقبل أخضر للسندات الزرقاء

Finance and Economics
نحو حشد موارد مالية متنوعة للتمويل الأصغر

Finance and Economics
المعالم والتحديات في اعتماد التكنولوجيا المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تعزيز إمكانية الوصول إلى الخدمات المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تحديات الهشاشة والتنمية في البلدان الأعضاء في البنك الإسلامي للتنمية: حالة النيجر

Finance and Economics
ترشيد استهلاك الطاقة في المملكة العربية السعودية: نحو اقتصاد أخضر موفر للطاقة

Finance and Economics
توسع مجموعة البريكس والديناميكيات المتغيرة في الاقتصاد العالمي

Finance and Economics
فتح الأبواب أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى أسواق رأس المال من خلال صندوق تعزيز الصكوك

Finance and Economics
أهمية تبني التقنيات المالية الرقمية في مصر

Finance and Economics
تغيير نموذج النظام المالي العالمي

Finance and Economics
الأزمات العالمية وردود فعل البنك المركزي وانعكاس منحنى العائد

Check More Blogs From Jan Kellett

06 May, 2024 -Islamic Finance
Jan Kellett | English Article
The Takaful Solution: Bridging the Climate Protection Gap

The world is heating up even quicker than expected. Temperature records continue to be broken in 2024, with droughts, wildfires...

Read