نحو عملة مشفرة تعتمد على “حقوق السحب الخاصة” وتخدم أهداف التنمية المستدامة

10 May, 2020

هذه المقالة مترجمة عن الإنجليزية لمدونة إلكترونية منشورة بعنوان (A Proposal for SDR-based SDGs Cryptocurrency)

المترجم: د. محمود بكري

توطئة

تسببت أزمة كوفيد-19 في حدوث تباطؤ اقتصادي شديد في جميع أنحاء العالم، أفضى إلى حاجة ملحة للبحث عن أنجع السبل للتخفيف من وتيرة هذا التباطؤ بطريقة مستدامة لا تقتصر على تقديم حزم تحفيزية على المدى القصير فحسب، بل تدعم كذلك النمو على المدى البعيد، وتتسم بعدالة التوزيع بين أرجاء المعمورة. وإلى جانب ذلك فإن هناك جملة من التحديات الكبرى التي تواجه تمويل أهداف التنمية المستدامة، ومن ثم تهدف هذه المقالة إلى اقتراح حلول لكلتا المعضلتين.

ما هي حقوق السحب الخاصة (SDR

حقوق السحب الخاصة (Special Drawing Rights) هي إحدى الأصول الاحتياطية العالمية التي أنشأها صندوق النقد الدولي عام 1969م بهدف تعزيز الاحتياطيات الرسمية لدوله الأعضاء. وتعتمد قيمة (حقوق السحب الخاصة) على سلة من خمس عملات، هي: الدولار الأمريكي، واليورو، والرينمنبي الصيني، والين الياباني، والجنيه الإسترليني. ويتخذ صندوق النقد الدولي بالإضافة إلى عدة منظمات دولية أخرى (حقوق السحب الخاصة) وحدة حساب، وهي لا تعد عملة أو صك مطالبة لدى صندوق النقد الدولي، لكنها صك مطالبة محتمل على عملات الدول أعضاء صندوق النقد الدولي التي تتسم بحرية الاستخدام، بحيث يمكن استبدالها بتلك العملات.

ويقترح الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيقليتز Joseph Stiglitz واقتصاديون مرموقون آخرون أن يتم اعتماد (حقوق السحب الخاصة) عملة عالمية.

الأزمة المالية العالمية في مقابل أزمة كوفيد-19

وافقت مجموعة العشرين في أبريل 2009م، إبان الأزمة المالية العالمية، على أن يصدر صندوق النقد الدولي 280 بليون وحدة من حقوق السحب الخاصة (أي ما يعادل 250 بليون دولار أمريكي). وأضيفت هذه الوحدات إلى احتياطي الدول الأعضاء بحسب حصصها في الصندوق، بحيث يكون لهذه المخصصات دور في توفير السيولة ودعم الاحتياطي الرسمي للدول الأعضاء.

واستجابة لأزمة كوفيد-19 الراهنة أدلت مديرة بنك النقد الدولي كريستالينا جيورجيفا بتصريح في 23 مارس 2020 أشارت فيه إلى أن:

العديد من الدول منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل طلبت من صندوق النقد الدولي توزيع مخصصات من (حقوق السحب الخاصة) على غرار ما قمنا به إبان الأزمة المالية العالمية، ونحن ندرس هذا الخيار مع الأعضاء

وفي السياق نفسه كانت نخبة من المسؤولين والاقتصاديين قد تقدموا بالفعل باقتراح مماثل.

عملة التنمية

لعل من الأحرى اقتراح أن تكون (حقوق السحب الخاصة) عملة للتنمية، إذ يمكن ضخها في رؤوس أموال بنوك التنمية متعددة الأطراف لتعزيز التنمية المستدامة في الدول الأعضاء. وبهذه الطريقة، يمكن استعمال هذه العملة لغايات تخدم أهداف التنمية المستدامة عوضا عن تمويل الميزانية، وهو الأمر الذي عادة ما يتسبب في خفض التنمية طويلة الأجل لهذه الدول. وعلاوة على ذلك فإن هذه المقاربة ستوفر معالجة أفضل للدول النامية والدول الأقل نموا نظرا لأن حصصها في صندوق النقد الدولي صغيرة نسبيا، ومن ثم فإن ما تحصّله هذه الدول من منافع ضخ (حقوق السحب الخاصة) يظل محدودا.  

وينبغي أن يتم توزيع (حقوق السحب الخاصة) على بنوك التنمية متعددة الأطراف بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي والمساهمين فيه، ويمكن أن يصدر صندوق النقد الدولي شريحتين من (حقوق السحب الخاصة)؛ الشريحة الأولى للمساهمين (كما هو الحال إبان الأزمة المالية العالمية)، والشريحة الثانية لبنوك التنمية متعددة الأطراف، على أن يتم توزيعها بشكل تناسبي بحسب رؤوس أموال تلك البنوك.

سيمثل هذا تحولا عن القوانين السائدة الذي لا تستعمل فيها (حقوق السحب الخاصة) إلا البنوك المركزية للدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي، ولكنه تحول تحفزه الرغبة في أن يكون للتنمية المستدامة مصدر تمويل مستدام؛ فالتنمية المستدامة إنما هي مصلحة عامة، ووحدها المنظمات من قبيل صندوق النقد الدولي والبنوك التنموية متعددة الأطراف يمكنها أن تمنح هذا المصلحة العامة للاقتصاد العالمي.

وتجدر الإشارة إلى أن اقتراح استعمال (حقوق السحب الخاصة) لدعم التنمية يختلف عن المقترحات السائدة باعتمادها عملة عالمية أو “أموال هيليكوبتر“، حيث إننا نعتقد أن حصر الدور الجديد لـ (حقوق السحب الخاصة) في استهداف التنمية المستدامة سيمثل قيمة مضافة متميزة للاقتصاد العالمي.

العملة المشفرة الذكية لأهداف التنمية المستدامة

إمكانية التحسين يمكن أيضا أن تتضمن استعمال تقنية سلسلة الكتل للأصول المشفرة، وهي ليست فكرة جديدة، فقد ألمحت كريستين لاغارد، المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي، إلى احتمال تدشين نسخة رقمية من (حقوق السحب الخاصة) يطلق عليها مسمى “IMFCoin” (أي مسكوكة صندوق النقد الدولي)، بيد أن ما يمكن أن يعد طرحا جديدا هو ربط (حقوق السحب الخاصة المشفرة) بأهداف التنمية عبر بنوك التنمية متعددة الأطراف.

ففي حالة أصدر صندوق النقد الدولي (حقوق السحب الخاصة المشفرة crypto-SDR) فسيكون بالإمكان تعقبها ومراقبتها، كما سيكون من الممكن تقييم أثرها بسهولة. وسوف تسمح تقنية سلسلة الكتل والعقود الذكية بدعم الشفافية والتحقق من استعمال الموارد المالية لـ (حقوق السحب الخاصة المشفرة)، الأمر الذي يعزز الى حد كبير من الحوكمة الرشيدة في تمويل التنمية. 

وبتكريس (حقوق السحب الخاصة المشفرة) لأغراض التنمية فإن صندوق النقد الدولي والبنوك التنموية متعددة الأطراف بإمكانها إصدار عملة مشفرة ذكية لأهداف التنمية المستدامة، ويمكن اختصارها بـ (c-SDR)، كي تمثل عملة فريدة تعتمد على تقنية سلسلة الكتل وتختص بدعم أهداف التنمية المستدامة. ‏ويمكن استخدام العقود الذكية من أجل توجيه العملة لخدمة مؤشرات الأداء الرئيسة في أهداف التنمية المستدامة، حيث ستجعل هذه التقنية بالإمكان تعقب استعمال العملة الجديدة والتحقق من أدائها في تحقيق الأهداف المنشودة.

كما يمكن لـ (عملة أهداف التنمية المستدامة المشفرة الذكية) أن تكون مصدرا قيما لتمويل تنفيذ أهداف التنمية المستدامة نظرا للفجوة التمويلية التي تعاني منها، والمقدرة بحوالي 2,5 تريليون دولار سنوياً.

آلية التمويل

يمكن استخدام (حقوق السحب الخاصة المشفرة) الذكية لدعم الدول الأعضاء باستعمال أكثر من آلية واحدة. وإعمالا بالقوانين الحالية التي تقيد استعمال (حقوق السحب الخاصة) بالبنوك المركزية بشكل عام، فإن الآليات التالية يمكن تنفيذها عن طريق البنوك المركزية للدول الأعضاء:

أولاً: الوديعة الاستثمارية في البنك المركزي

  1. يمكن لبنك التنمية متعدد الأطراف وضع مبلغ من حقوق السحب الخاصة المشفرة (c-SDR) في البنك المركزي لإحدى الدول الأعضاء وديعة استثمارية لمدة ثلاث سنوات على سبيل المثال.
  2. يصدر البنك المركزي عملة وطنية مشفرة (nc-currency) مدعومة بحقوق السحب الخاصة المشفرة (c-SDR) المودعة (حسب اتفاق حول سعر الصرف)، بحيث تكون العملة الوطنية المشفرة أحد أشكال “عملات البنك المركزي الرقمية ” التي اعتمدها مصرفيو البنوك المركزية.
  3. تضخ العملات الوطنية المشفرة في الاقتصاد عبر التحويل المباشر إلى مجموعات المستفيدين. ويمكن تحديد الفئات المستهدفة من خلال مجموعة من المعايير (السن، المهنة، الشركات الصغرى والصغيرة والمتوسطة، إلخ)، وذلك بهدف تحقيق مؤشرات الأداء الرئيسة لأهداف التنمية المستدامة.
  4. لا يمكن مبادلة العملة الوطنية المشفرة بالعملات الأجنبية، ولكن يمكن مبادلتها بالعملة الوطنية الاعتيادية أو مبادلتها كذلك بحقوق السحب الخاصة المشفرة (c-SDR). وسيكون من السهولة بمكان تقييد استعمال العملة الوطنية المشفرة من خلال تقنية سلسلة الكتل والعقود الذكية، مما يعزز من الشفافية والمساءلة في استعمال حقوق السحب الخاصة المشفرة. ويهدف هذا التقييد في المقام الأول إلى حفز الاقتصاد المحلي بدلا من دعم واردات السلع الخارجية التي يمكن أن تؤثر سلبا على النمو بعيد المدى، كما أن من شأن هذا التقييد أن يحافظ على إبقاء التضخم تحت السيطرة.
  5. يمكن فرض ضريبة جيزيل على العملة الوطنية المشفرة، وهي ضريبة ادخار تقتطع نسبة محددة من العملة الوطنية المشفرة في المحفظة الإلكترونية للمستخدمين. وسوف تشجع هذه الضريبة المستخدمين على إنفاق العملة الوطنية المشفرة بدلا من الادخار أو المضاربة، وفي الوقت ذاته تجلب عائدا على الودائع الاستثمارية للعملة الوطنية المشفرة. 
  6. وعند حلول مرحلة الإطفاء (بانتهاء الأعوام الثلاثة) فإنه إذا لم يتم تجديد الوديعة الاستثمارية ينبغي على البنك المركزي إعادة وديعة حقوق السحب الخاصة المشفرة (وتغييرها باحتياطات أخرى من العملة الصعبة)، في حين أن عائدات الوديعة (المتولدة من ضريبة جيزيل) ينبغي ألا تكون مقومة بحقوق السحب الخاصة المشفرة، بل بأي عملة يتفق عليها (كالدولار على سبيل المثال).

ثانياً: التجارة الإلكترونية

من الممكن أيضا دعم التجارة بين الدول الأعضاء باستخدام حقوق السحب الخاصة المشفرة (c-SDR). ومن أجل تحقيق هذا الغرض يمكن إنشاء منصة تجارة إلكترونية تهدف إلى تعزيز التجارة بين المنتجين في الدول الأعضاء باستخدام حقوق السحب الخاصة المشفرة، بحيث تكون مبادلة العملة المحلية مقابل حقوق السحب الخاصة المشفرة عن طريق البنك المركزي.

وفي جميع الأحوال فإن استخدام كل من حقوق السحب الخاصة المشفرة (c-SDR) والعملة الوطنية المشفرة (nc-currency) المرتبطة بها سيكون من أجل دعم أجندة أهداف التنمية المستدامة.

الخاتمة

إن حقوق السحب الخاصة من شأنها أن تكون عملة تخدم التنمية المستدامة، وذلك بتوظيف التقنيات الحديثة، وستكون لدى مجموعة العشرين G20 القدرة على تغيير ملامح مستقبل تمويل التنمية من خلال التوسع في استخدام حقوق السحب الخاصة المشفرة الذكية (smart crypto-SDR) بشكل فعال من أجل تمويل تحقيق أهداف التنمية المستدامة.


المدونون
COVID-19
Systemic Risk and Islamic Banks: Lessons from the COVID-19 Pandemic

COVID-19
Taming Inflation: An Islamic-Finance Perspective

COVID-19
Climate-Related Risk and Vulnerabilities in IsDB Member Countries: The Role of Insurance/Takaful Sector

COVID-19
Global Chip Shortage and Implications for Developing Countries

COVID-19
Exploring the Power of SDR in Boosting Global Financial Resources for Post-COVID-19 Recovery

Check More Blogs From Sami Al-Suwailem

16 Mar, 2022 -COVID-19
Sami Al-Suwailem | English Article
Taming Inflation: An Islamic-Finance Perspective

Inflation is a major problem for modern economies. Over the years, the problem shifted from one extreme to the other:...

Read
09 Sep, 2021 -FinTech
Sami Al-Suwailem | English Article
Social Cryptocurrency

Money is at the heart of any financial system. It is the “joints” that link markets across space and time....

Read
04 May, 2021 -Islamic Finance
Sami Al-Suwailem | English Article
The Case for Crypto Sukuk

Cryptocurrencies are causing measurable disruptions in the finance world. The speculative nature of many of these currencies casts doubts on...

Read