كوفيد-19 والحاجة إلى نظام اقتصادي جديد

14 Sep, 2020

بقلم: د. رامي عبد الكافي  
هذه المقالة مترجمة عن الإنجليزية لمدونة إلكترونية منشورة بعنوان (Covid-19 and the Need for a New Economic System)
ترجمة: د. محمود بكري


وضع اقتصادي لم يشهد له العالم مثيلا

يشير معظم الاقتصاديين إلى الأزمة المالية العالمية لعام 2008 بغية تقييم الأثر الاقتصادي لوباء كوفيد-19.

ويتوقع الاقتصاديون أن تأثير كوفيد-19 سيكون من حيث الحجم مقاربا بل ربما أكبر من تأثير الأزمة المالية. ومع ذلك، فإن هناك إجماعا على اختلاف طبيعة الأزمتين، ففي حين أن الأزمة المالية لعام 2008 كانت مرتبطة أساسا بأزمة في الطلب، فالمؤكد أن الأزمة الحالية أثرت على العرض والطلب كليهما في الوقت نفسه. وتظهر التقديرات الصادرة عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية لعام 2020 تأثيرًا مدمرًا لأزمة كوفيد-19 على النمو الاقتصادي لدى أقوى الاقتصادات العالمية (الجدول 1):

2020 Q22020 Q12019 Q4BRICS
-11-10.5البرازيل
9.2-10.91.4الصين
-9.351.2الهند
-10.5-0.10.4روسيا
-7.7-3-0.3جنوب افريقيا
   G7
-4.5-0.30.1كندا
-10-20.8فرنسا
-10-30ألمانيا
-10-5-0.3إيطاليا
-0.4-0.5-1.8اليابان
-10-10المملكة المتحدة
-5.9-1.30.5الولايات المتحدة
المصدر: The Economist Intelligence Unit

   

وفي حين أنه من غير المحتمل أن ينجو أي بلد من تأثير الأزمة، فإن حجم التأثير سيختلف من بلد إلى آخر؛ ففي أوروبا على سبيل المثال ستكون الاقتصادات القائمة على التصنيع مثل ألمانيا أقل تأثرا من الاقتصادات القائمة على السياحة والخدمات مثل إسبانيا وإيطاليا اللتين تعانيان بالفعل من ارتفاع الدين العام خلال السنوات الماضية. ومع ذلك، فإن التزامن في تأثيرات العرض والطلب على المستوى العالمي، إلى جانب الأثر السلبي على سلسلة قيمة الإنتاج، سيؤدي إلى تفاقم الوضع في جميع البلدان.

وعلى أمل أن يتمكن المجتمع الدولي من احتواء انتشار الفيروس عالميا وأن يتجنب موجاته الجديدة المحتملة، فإن من المتوقع السيطرة على التأثير السلبي على الإمداد وأن تبدأ علامات التعافي في النصف الثاني من عام 2020. وعلى الرغم من ذلك، فمن المتوقع أن يكون التأثير على الطلب طويل الأمد بسبب عواقب الأزمة على الاستثمار وسلوكيات الأسرة (وحدة الاستخبارات الاقتصادية 2020)، وسيترجم هذا إلى زيادة في تكاليف الاقتراض وتشديد الشروط التمويلية، حيث سيكون لدى البنوك توقعات سلبية حول قدرة المستهلكين والشركات على سداد قروضهم (جيتا جوبيناث، 2020).


ومن ثم فالحلول المعتادة هي:

في مثل هذا الظرف الاستثنائي، عادة ما يكون رد الفعل الفوري للأزمة هو زيادة الإنفاق على الصحة لدعم وتعزيز النظم الصحية في جميع أنحاء العالم، وذلك لضمان التعامل الناجع مع تأثير جائحة كوفيد -19. وهو ما يجب أن يتبع بادئ ذي بدء بتدابير إضافية من شأنها أن تعزز الطلب وتضمن توفير إمدادات كافية من الائتمان، ثم توفير سيولة كافية من شأنها أن تعوض مخاطر الاستقرار المالي (كريستالينا جيورجيفا، 2020).

إن ضخ السيولة في أوقات الأزمات بقي دائما بمثابة ردة الفعل التلقائية للبنوك المركزية والمنظمات الدولية على الاضطرابات الاقتصادية (هيئة تحرير فاينانشيال تايمز، 2020)، وإن الأزمة الحالية ليست استثناء من ذلك، فمع تزايد تأثير الأزمة على الاقتصاد الأمريكي، تضمنت إجراءات الاحتياطي الفيدرالي حزمة إقراض ضخمة بقيمة 2.3 تريليون دولار أمريكي لدعم الأسر وأصحاب العمل والأسواق المالية وحكومات الولايات والحكومات المحلية (جفري شينج وآخرون، 2020).

أما على المستوى الدولي، فقد قام بنك الاحتياطي الفيدرالي بإتاحة الحصول على الدولار للبنوك المركزية الأخرى، كما قام بتوسيع خطوط المبادلة الخاصة به لتشمل تسعة بنوك مركزية إضافية، ليصل عدد الدول التي تستخدم هذه التسهيلات إلى 14 دولة، من بينها اقتصادان ناشئان (كندا، وإنجلترا، واليابان، والبنك المركزي الأوروبي، وسويسرا، وأستراليا، والبرازيل، وكوريا الجنوبية، والمكسيك، وسنغافورة، والسويد، والدنمارك، والنرويج، ونيوزيلندا).

علاوة على ذلك، تم إنشاء اتفاقية إعادة شراء مؤقتة لفائدة السلطات النقدية الأجنبية والدولية (FIMA Repo) للسماح بعمليات إعادة الشراء مع البنوك المركزية وغيرها من السلطات النقدية الدولية التي تحتفظ بحسابات في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

وفي أوروبا، تضمنت حزمة المبادرة الاستثمارية الأولى لمواجهة فيروس كورونا ثلاثة عناصر رئيسة: حوالي 8 مليارات يورو من السيولة الفورية لتسريع ما يقارب من 37 مليار يورو من الاستثمار العام الأوروبي، والمرونة في تطبيق قواعد الإنفاق في الاتحاد الأوروبي، وتوسيع نطاق صندوق التضامن الأوروبي. وقد تم استكمال ذلك من خلال المبادرة الاستثمارية الإضافية لمجابهة فيروس كورونا (CRII+)، لإتاحة المزيد من المرونة في استخدام الأموال المخصصة.

أما على صعيد البلدان النامية، فيتفاقم تأثير جائحة كوفيد-19 نظرا للمشكلات الاقتصادية والمالية الخطيرة الموجودة بالفعل. ووفقا لتقديرات وحدة الاستخبارات الاقتصادية 2020، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستشهد نموا سلبيا يقدر بنسبة (-2.2%) من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، ومعدل تضخم يصل إلى 8%.

لن يكون أمام البلدان النامية من خيار بسبب مواردها المحدودة سوى طلب المساعدة الدولية، وخاصة من المؤسسات المالية الدولية. وفي هذا السياق، خصص صندوق النقد الدولي 50 مليار دولار من خلال تسهيلات التمويل الطارئة سريعة الإنفاق المخصصة للبلدان ذات الدخل المنخفض والأسواق الناشئة التي يمكن أن تسعى للحصول على الدعم.

وقد خصصت من هذا المبلغ 10 مليارات دولار على هيئة قروض دون فوائد للأعضاء الأشد فقرا، وذلك من خلال تسهيلات “تمويل التسهيلات الائتمانية السريعة” للبلدان منخفضة الدخل وبلدان الأسواق الناشئة. كما خصصت 10 مليارات دولار أخرى من المبلغ نفسه دون فائدة للأعضاء الأشد فقرا من خلال “التسهيل الائتماني السريع”، وتبلغ قدرة الإقراض للصندوق لهذه الأزمة 1 تريليون دولار أمريكي (كريستالينا جيورجيفا، 2020).

وقد نسج البنك الاسلامي للتنمية على المنوال نفسه بأن وافق على 2.3 مليار دولار أمريكي من أجل تمويل برنامج التأهب والاستجابة الإستراتيجي لمجموعة البنك الإسلامي للتنمية لوباء كوفيد-19، بينما أنشأ بنك التنمية الأفريقي تسهيلات بقيمة 10 مليارات دولار لدعم الحكومات والقطاع الخاص.

يتخذ المجتمع الدولي في مواجهة حالة الطوارئ عدة إجراءات ذات تأثيرات غير واضحة على الاقتصاد، ويتم في ذلك تأجيل التعامل مع التأثير السلبي المحتمل لهذه التدابير إلى فترة ما بعد جائحة كوفيد-19، فليس هناك شك في أن فترة ما بعد كوفيد-19 ستكون مختلفة عن فترة ما قبل الأزمة. وبالنسبة للكثيرين، أدى الوباء إلى إبراز أوجه القصور في النظام الرأسمالي النيوليبرالي، وبات اليوم نظامٌ جديدٌ قيدَ التشكيل. وفي هذا السياق، فإن هناك حاجة ماسة إلى عدم تكرار الأخطاء التي حدثت أثناء الأزمة المالية لعام 2008 وبعدها.

أولا، أظهر النموذج الاقتصادي الرأسمالي قصوره في جميع البلدان دون استثناء حتى داخل البلدان المتقدمة، وتبين أن هذا النموذج، الذي يعطي وزنا أكبر للأعمال، قد أضعف الحكومات وجعلها غير مستعدة لأزمة مثل التي نشهدها (انظر، على سبيل المثال، جيمس ك. قالبريث، 2020).

وفي الولايات المتحدة، كما هو الحال في غيرها من البلدان المتقدمة، أثبت النظام الصحي عدم قدرته على التعامل مع مثل هذا الوضع، حيث أدى ضعف نظام التأمين إلى تفاقم أوضاع الشرائح السكانية الأكثر هشاشة.

ثانيا، ظلت هيمنة المجال المالي على الاقتصاد الحقيقي دائما مصدرا للأزمات في النظام الاقتصادي الحالي، حيث إنه بعد الأزمة المالية، تم ضخ كمية هائلة من السيولة في النظام المالي بدلا من توجيهها نحو فرص الاستثمار الجيدة (انظر على سبيل المثال، ماريانا مازوكاتو 2020أ، ومريانا مازوكاتو 2020ب).

الحاجة إلى نظام اقتصادي جديد

زادت الدعوات كما ذكر آنفا إلى إعادة التفكير في النظام الاقتصادي السائد مع انتشار الآثار الاقتصادية والاجتماعية لـ كوفيد-19 (انظر باربارا ستيجلر، 2020). ومن منظور الاقتصاد الإسلامي، فقد كان من الممكن لثلاث سمات رئيسة على الأقل تقديم بعض الحلول للوباء الحالي:

أولا، أكد بعض الاقتصاديين على دور شبكات الأمان المتضمنة في النظام الاقتصادي الإسلامي بصفتها أداة فعالة للتعامل مع آثار الأزمة، وتشمل شبكات الأمان هذه: الزكاة والأوقاف والصدقة وغيرها (انظر على سبيل المثال، عبدالله محمد والعياشي فداد، 2020). وتمثل شبكات الأمان هذه مكونا أساسيا في النظام الاقتصادي الإسلامي، وذلك لأنها تمثل إحدى مكونات القطاع غير الربحي، بل أبعد من ذلك إذ إن القطاع غير الربحي يمثل عاملا أساسيا لاستقرار واستدامة الاقتصاد. ويمكن الرجوع إلى مزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع في (سامي السويلم، 2013)، حيث يؤكد المؤلف أن التوازن بين القطاعات الربحية وغير الربحية هو ما يميز النظام الاقتصادي الإسلامي عن الاقتصاد الرأسمالي الذي طغى عليه القطاع الربحي واقتصاد السوق. أما فيما يتعلق بالنظام الاشتراكي فقد أعطى الأخير وزنا أكبر للمصلحة العامة في الدولة، وذلك على حساب المبادرة الخاصة. ولكن المتوقع مع تطور التقنيات الجديدة أن يكون دور القطاع غير الربحي أكثر كفاءة وأكثر أهمية (انظر على سبيل المثال، محمد عبيد الله، 2020).

ثانيا، تشير الأدلة كما ذكر آنفا إلى أن الموارد المالية الجديدة المخصصة لمواجهة الأثر السلبي للأزمة المالية العالمية لعام 2008 قد استثمرت في الغالب في القطاع المالي ولم تحقق النتيجة المنشودة. وهذا دليل واضح آخر على أن ذلك كان نتيجة الخطة الضريبية القائمة على إستراتيجية التدرج إلى أسفل التي اعتمدتها الولايات المتحدة لخفض ضرائب الشركات (رنا فروهار، 2017). فوفقا لـ (فيليون، 2017)، فإن 80٪ من هذه الخطة الضريبية كانت ستفيد الفئة الأغنى التي تشكل 1٪ من السكان الأمريكيين. وعلاوة على ذلك، فإن الأغنياء يميلون إلى استثمار هذه الفوائد في السوق المالية بدلا عن الاقتصاد الحقيقي، مما يفاقم من عدم المساواة. أما في سياق النظام الاقتصادي الإسلامي، فيمكن تجنب مخاطر هذا الانحراف في الموارد المالية التي يتم ضخها في الاقتصاد نحو القطاعات غير المنتجة؛ إذ إنه وفقا لمبادئ الاقتصاد الإسلامي يجب أن تكون أي معاملة مالية مدعومة بصفقة تقابلها في الاقتصاد الحقيقي.

ثالثا، على الرغم من تطور المصارف الإسلامية مؤخرا والإمكانيات الهائلة التي باتت تحوزها، إلا أن دورها في التنمية لم يرقَ بعد إلى المستوى المنشود، إذ لا تزال حتى الآن، تسيطر على العمليات المصرفية الإسلامية العملياتُ منخفضة المخاطر مثل المرابحة والإجارة (تقرير استقرار صناعة الخدمات المالية الإسلامية الصادر عن مجلس الخدمات المالية الإسلامية، 2019).

إن القيام بدور أكثر فاعلية في التنمية الاقتصادية يتطلب أن تشارك المصارف الإسلامية بشكل أكبر في تمويل المزيد من العمليات التي لها تأثير حقيقي على التنمية الاقتصادية. وفي المقابل، هناك إجماع بين الاقتصاديين على أن الاقتصاد العالمي الجديد بعد جائحة كورونا سيكون مختلفا عن الاقتصاد الذي نعرفه. وتتمثل إحدى التغييرات في الاقتصاد العالمي الجديد في إنشاء سلاسل قيمة جديدة قد تقلل من اعتماد العديد من البلدان على الصين في عمليات الإنتاج الخاصة بها، فعلى المدى المتوسط ​​على الأقل، سيمثل ذلك فرصة للبلدان النامية لتشكيل البديل واحتلال مكانة أكثر أهمية في سلاسل القيمة هذه. ومع ذلك، فإن هذا يتطلب استثمارات ضخمة. وهنا يكمن الدور الذي يمكن أن يلعبه التمويل الإسلامي لتمويل هذه الاستثمارات بالاستفادة من مجموعة واسعة من أدوات التمويل الإسلامي.

علاوة على ذلك، واستنادا إلى مبدأ المشاركة في المخاطر، فإن استخدام الأدوات المالية الإسلامية سيؤدي إلى نظام مالي أكثر استقرارا وأكثر مرونة في مواجهة الصدمات الاقتصادية. وانطلاقا من أن مكافأة الأطراف المختلفة المشاركة في أي معاملة مالية سوف تتم وفقا لمشاركتها في تحمل المخاطر المرتبطة بهذه المعاملة، فإن نظاما اقتصاديا قائما على هذا المبدأ من تقاسم المخاطر سوف يخفف من الأثر السلبي لحالات الركود الاقتصادي على المستثمرين، بينما يسمح في الوقت نفسه بتوزيع أكثر إنصافا للعائدات خلال فترات النمو المرتفع (التقرير العالمي عن التمويل الإسلامي 2016).

تنويه

يدين المؤلف بالامتنان للزملاء في المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب لإسهاماتهم من خلال المناقشات المفيدة والمثمرة، ولا تعكس الآراء الواردة في هذا المقال بالضرورة وجهة نظر البنك الإسلامي للتنمية.


المدونون
COVID-19
Systemic Risk and Islamic Banks: Lessons from the COVID-19 Pandemic

COVID-19
Taming Inflation: An Islamic-Finance Perspective

COVID-19
Climate-Related Risk and Vulnerabilities in IsDB Member Countries: The Role of Insurance/Takaful Sector

COVID-19
Global Chip Shortage and Implications for Developing Countries

COVID-19
Exploring the Power of SDR in Boosting Global Financial Resources for Post-COVID-19 Recovery

Check More Blogs From Rami Abdelkafi

22 Nov, 2021 -COVID-19
Rami Abdelkafi | English Article
What can Sukuk learn from Social Impact Bonds in the context of COVID crisis?

Beyond the lack of financial resources, delivery failures are among the main causes of poor public services in developing countries....

Read
29 Apr, 2020 -COVID-19
Rami Abdelkafi | English Article
Covid-19 and the Need for a New Economic System

An unprecedented economic situation… Most economists refer to the 2008 global financial crisis to assess the economic impact of the...

Read