الدوام الجزئي أو البازوكا الألمانية في مواجهة تبعات أزمة كورونا الاقتصادية

17 May, 2020

تخوض الحكومات حول العالم حربين متزامنتين ضد وباء كوفيد-19، إحداهما في مجال الصحة العامة والأخرى في المجال الاقتصادي. ففي المجال الأول لجأت الدول إلى إجراءات الحجر والحظر الصحي والتباعد الاجتماعي، أما في المجال الثاني، فإن ألمانيا لجأت فيه إلى سلاح تعرفه جيدا وهو توسعة الإفادة من مخطط الدوام الجزئي أو ما يسمى في اللغة الألمانية بـ”Kurzarbeit” – الذي شبهه وزير المالية الألماني بالبازوكا التي تشهرها ألمانيا في وجه الوباء من أجل حماية الاقتصاد الألماني من تبعاته.

مخطط “الدوام الجزئي” الألماني

مخطط “الدوام الجزئي” الألماني حليف تقليدي في معارك ألمانيا الاقتصادية السابقة للحفاظ على استمرارية دوران عجلة الاقتصاد أثناء فترات الأزمات الاقتصادية، فقد كانت السياسة الاقتصادية الألمانية أحد أهم أسباب تعافي الاقتصاد الألماني في وقت قياسي إبان الأزمة المالية في 2008.

يهدف المخطط إلى تمكين الشركات المتضررة بشدة إثر أزمة معينة من أن تبقي عمالها في المنازل أو أن تنقص من ساعات عملهم دون الحاجة إلى تسريحهم، إذ يمكن للعاملين مواصلة الحصول على جزء مهم من أجورهم مع التزام الدولة بتغطية جزء كبير من العجز. وإذا قررت مؤسسة ما الاستفادة من المخطط فإنه يمكنها تسريح العمال مؤقتا مع إمكانية أن يظلوا متمتعين بأجورهم، بحيث يتحصل المشغلون على منحة “الدوام الجزئي” التي تدفعها لهم وكالة التشغيل الفيدرالية، وهي الجهة المتعهدة أيضا بصرف إعانات البطالة. وتدفع الدولة 60% من أجور العاملين التي كانت تصرف لهم قبل الأزمة أو نسبة 67% إن كان لهم أطفال، وسيكون بإمكان العمال بعد أن تنقضي الأزمة أن يعودوا إلى دوامهم الكامل من دون الحاجة إلى تسريحهم خلال الأزمة. والفكرة من وراء ذلك تكمن في تجنيب الشركات وعمالها شبح البطالة وسط صراعها للبقاء في خضم أزمة لم تكن سببا فيها، كما تمكن الشركات التي استثمرت في تعليم وتدريب مواردها البشرية من الحفاظ على قدراتها وخبراتها وكوادرها التي ستحتاجها مجددا في القريب العاجل.

شروط التغطية والأهلية للتمتع بالدوام الجزئي

وفقاً للقانون الألماني والأوروبي عموما، فإن كل من يدفع للمساهمة في التغطية الاجتماعية بإمكانه التمتع ببدل الدوام الجزئي بما في ذلك العمال المؤقتون والعمال بعقود محدودة المدة. وهذا يستثني العاملين الذين يتمتعون بعقود “عمل مصغرة” ممن لا تتجاوز مداخيلهم 450 يورو في الشهر الواحد إذ إنهم معفوون من المساهمة في التغطية الاجتماعية. وفي حالة المطالبة بالدوام الجزئي في شهر معين فينبغي أن تشمل هذه المطالبة على الأقل ثلث عدد العاملين (دون اعتبار المتمرنين) في المؤسسة (أو أي عدد من الوحدات المعينة فيها). وعلاوة على ذلك، فإن قطع الأجور قد يبلغ أكثر من 10% من دخلهم الشهري الصافي، وفي هذه الحالة فإن كل العمال بما فيهم أولئك الذين يعانون من تقلص الدخل بنسبة أقل من 10% يمكن أن يتمتعوا ببدل دوام جزئي. وينبغي أن يكون تقليص العمل مؤقتا لسبب لا يمكن تلافيه، كأن يكون بسبب ظروف اقتصادية طارئة، كنقص حاد في الطلب أو أحداث غير متوقعة أو قوى قاهرة أو تغييرات هيكلية. وباستثناء بعض الخيارات، فإن الشركة ينبغي أن تكون قد استنزفت كل الخيارات المتاحة التي يمكن اتخاذها لتلافي اللجوء للدوام الجزئي، ومن هذه الخيارات موازنة حسابات ساعات العمل أو منح أيام عطل. ويمكن تمييز ثلاثة ترتيبات من الدوام الجزئي؛ أولا: دوام جزئي بسبب الأوضاع الاقتصادية وهبوط وقتي في الطلب؛ ثانيا: دوام جزئي فصلي؛ وثالثا: دوام جزئي في حالة الهيكلة.

رأي منظمة العمل الدولية

وفي وقت سابق حذرت منظمة العمل الدولية من أن حوالي 1.6 بليون عامل، أي ما يعادل حوالي نصف القوى العاملة في العالم والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، قد يواجهون خطر خسارة معاشاتهم بسبب الوباء، كما أنها صرحت بأن توقعات الانخفاض العالمي في عدد ساعات العمل في الربع الثاني باتت أكثر سوءا مما كانت عليه بسبب تمديد إجراءات الحظر التي أدت إلى الإبقاء على المتاجر مغلقة. وأفادت وكالة الأمم المتحدة للعمل بأن توقعاتها للانخفاض في ساعات العمل تقدر بنسبة 10.5% حول العالم في الربع الثاني من العام الحالي، وهو ما يساوي 305 مليون وظيفة بدوام كامل، في حين كانت توقعاتها السابقة أن يكون الانخفاض بنسبة 6.7% أو ما يقابل 195 مليون عامل.  

وعموما فقد مثلت ردة فعل ألمانيا الاقتصادية على أزمة كورونا مثالا يحتذى به، وكان برنامج ” البطالة الجزئية” مقاربة ناجحة، فقد ساهم في حل الأزمة المالية العالمية وهو الآن يساهم في حل أزمة وباء كورونا، إذ توقعت منظمة العمل الدولية فقدان أكثر من 305 مليون وظيفة في الربع الثاني من 2020 بسبب كوفيد 19. وعلى صعيد آخر، أطلقت ألمانيا برنامجا وطنيا يهدف إلى دفع الناس إلى لبس كمامات الأنف والفم في المحلات والمواصلات العامة بعد التخفيف من إجراءات الحظر الصحي، فكانت المقاربة الألمانية للتشغيل خلال أزمة كوفيد-19 مثالا يحتذى به لبقية دول العالم في كيفية التعامل مع النتائج الاقتصادية السلبية للوباء. وقد صرح بذلك غاي ريدر، المدير العام لمنظمة العمل الدولية، بقوله: “إن الدول مثل ألمانيا التي استطاعت أن تحافظ على مستويات العمل والتشغيل خلال أزمة 2008 وتمكنت من الحفاظ على استمرارية العمليات والمؤسسات الاقتصادية، استطاعت النفاذ من دوامة الأزمة بشكل أسرع”، مؤكدا على أن برنامج الدوام الجزئي خلال الوباء الحالي جعل من ألمانيا مثالا يحتذى به في حسن التعامل مع الأزمة الاقتصادية.

ووفقا للنظام الألماني فإن العمال يبتعثون إلى منازلهم أو يخفض من ساعات عملهم، ولكنهم يظلون يتمتعون بثلثي رواتبهم التي تدفعها الدولة. ولقد استعملت ألمانيا المخطط في الأزمة السابقة حيث إن حوالي 1.1 مليون شخص في المعدل تأثروا بتراجع الاقتصاد الألماني في 2009، حيث كلفت الأزمة الحكومة الألمانية حوالي 10 بليون يورو (10.9 بليون دولار)، وبنهاية ذلك العام كانت نسبة البطالة ثابتة في حدود 7.6% بنسبة أقل مما كانت عليه في 2008. وحسب ما يرى ريدر: “فإن ألمانيا خرجت من هذه الأزمة أقوى، وهناك دروس ينبغي أخذ العبرة منها خاصة وأنها تنطبق على ما نعيشه الآن“. وقد بدأت ألمانيا بالفعل في التخفيف من إجراءات الحظر بعد تطويق الوباء تدريجيا والتصريح لعديد المحلات بإعادة فتح أبوابها على غرار الكثير من البلدان حول العالم.

وكان ريدر قد أبدى امتعاضه من نقص التعاون الدولي بين الدول في تقديم يد المعونة ضمن سبل التعامل مع التأثير الاقتصادي للوباء على غرار ما شهده العالم إبان الأزمة المالية العالمية. وعلق قائلا: “ينبغي أن نرى مجموعة العشرين تقوم بجهود أكبر والأمم المتحدة تقوم بأدوار أهم في دولها الأعضاء. الوقت ليس متأخرا جدا ولكن الحاجة جد ملحة”.

هل نجح هذا المخطط من قبل؟ وما الجديد في خضم أزمة كوفيد-19؟

المخطط كان موجودا لعدة قرون سابقة في شكل مختلف عما هو عليه الآن، ولكنه اكتسب شهرته بسبب الدور المهم الذي لعبه خلال الأزمة المالية في 2008-2009، حين مكن سوق العمل الألماني من تفادي الكثير من الأضرار التي أصابت أماكن أخرى متفرقة في أوروبا، إذ انخفضت نسبة البطالة في قلب تلك الأزمة من 7.9% إلى 7% بسبب المخطط بشكل جزئي، واستفاد في الوقت نفسه قرابة المليون ونصف المليون عامل ألماني من آلية المخطط لدعم الأجور قبل العودة إلى الدوام الكامل بعد انتهاء تلك الأزمة.

وعموما فقد ظل المخطط على ما كان عليه في العقد المنصرم، ولكن لم تكن ثمة حاجة إليه، ذلك أن سوق العمل الألماني كان مزدهرا في تلك الفترة. وفي مارس من هذه السنة سارع البرلمان الألماني إلى اقتراح مشروع قانون يهدف إلى توسعة المخطط من أجل محاولة احتواء الطلبات التي سببتها الأزمة، وتمثلت إحدى التعديلات المهمة في تسهيل استفادة الشركات من المخطط، ففي السابق كانت الشركات تستفيد من المخطط فقط إذا كانت نسبة تضرر اليد العاملة 30% فأكثر، أما في التشريع الجديد فنسبة 10% من تضرر اليد العاملة كافية. كما أن الموارد المالية للمخطط صارت أكبر نظرا لأن المتوقع أن عددا أكبر من العمال سيحصل على الإعانات في 2020 مقارنة ب 2008-2009. وتتوقع الحكومة أن يتحصل أكثر من 2.35 مليون شخص على منحة الدوام الجزئي في هذه الفترة مما سيكلف الدولة عشرة بلايين يورو على الأقل (11.1 بليون دولار)، وقد استحوذت وكالة العمل الفيدرالية بالفعل على احتياطي يقدر بـ 26 بليون دولار لتمويل هذا المخطط.

هل الشركات بالفعل مستفيدة؟

ردة الفعل على سرعة تحول الوباء إلى أزمة اقتصادية عالمية تمثلت في أن كثيرا من الشركات باتت تعتزم الاستفادة من المخطط، ووفقا لمعهد IFO الألماني للبحوث الاقتصادية فإن الدوام الجزئي في ألمانيا سيسجل صعودا صاروخيا في الربع الثاني من 2020، ذلك إنه من المتوقع أن يلجأ 25.6% من الشركات لاستعماله. وستتأثر بالأخص ثلاث صناعات: صناعة السيارات (41%) والهندسة الميكانيكية (33%) والهندسة الكهربائية (32%)، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من القطاعات الصناعية التي ستحتاج إلى مخطط التمتع بالدوام الجزئي. وفي أول أسبوع منذ إطلاقه فإن أكثر من 76 ألف شركة تقدمت بطلباتها، وسجل معدل الطلبات الأسبوعي في السنة الفارطة ما يقارب 600 طلب، وكان ذلك بالتزامن مع فترة الحرب التجارية الصينية الأمريكية والبريكسيت اللتين أثرتا سلبا على الصناعة الألمانية.

بعض الشركات الكبرى في ألمانيا تعتزم الالتزام بالدوام الجزئي، ومنها شركة فولقسفاقن عملاق الصناعة الألمانية، التي كانت بالفعل في قلب العاصفة، بينما تعتزم دايملر الشركة الأم لعلامة مرسيدس تقليص ساعات العمل، كما أن من المتوقع أن ينحو العملاق المصرفي “دويتشه بنك” نحوهم أيضا. وحيث إن الدوام الجزئي كان على الدوام في عون القطاع الصناعي في السابق، فإن الحكومة الألمانية تعتزم أن يفيد ذلك أيضا قطاع الخدمات، ذلك أن هذا القطاع تأثر وبشدة من القواعد الصارمة للتباعد الاجتماعي التي فرضها هذا الوباء.

هل من سلبيات؟

تبنت الكثير من الحكومات حول العالم مخططات مستنسخة من المخطط الألماني، فيما وصف بأنه أحد أحسن صادرات ألمانيا على الإطلاق، وهو بلد طالما عرف بجودة صناعته الموجهة أساسا للتصدير، بيد أن الانتقادات التي طالت المخطط في السابق كانت صادرة من قطاع الخدمات الذي لم ينتفع كثيرا منه، ووفقا لنقابة Verdi التي تنتمي لهذا القطاع،  فإن المخطط ليس ضخما بما يكفي ليساعد العاملين من ذوي الأجور الضعيفة، كالعاملين في المطاعم والمهن المشابهة. وتأمل الحكومة أن يختلف الأمر هذه المرة، إذ إن الخطر الداهم هو أن تتحول أزمة كورونا إلى أزمة أشد فتكا بالاقتصاد مما كانت عليه الأزمة المالية العالمية، وأن لا يكون المخطط  كافيا لضبط الأمور على المدى الطويل، فإن تواصَل على سبيل المثال الحظر الصحي بتقييدات مشددة لعدة أشهر قادمة – كما أوصى بذلك الكثير من خبراء الصحة العامة وأكدوا ضرورته – فإن العديد من المؤسسات ببساطة لن تستطيع أن توفر مداخيل تمكنها من النجاة من الأزمة بأي حال من الأحوال.


المدونون
COVID-19
Systemic Risk and Islamic Banks: Lessons from the COVID-19 Pandemic

COVID-19
Taming Inflation: An Islamic-Finance Perspective

COVID-19
Climate-Related Risk and Vulnerabilities in IsDB Member Countries: The Role of Insurance/Takaful Sector

COVID-19
Global Chip Shortage and Implications for Developing Countries

COVID-19
Exploring the Power of SDR in Boosting Global Financial Resources for Post-COVID-19 Recovery

Check More Blogs From Mahmoud Bekri

13 May, 2020 -COVID-19
Mahmoud Bekri | English Article
The World of FinTech in Coronavirus Times: From Open to Applied Innovation

The World FinTech Report 2020, from consulting firm Capgemini and non-profit organization Efma, is published this year in quite extraordinary...

Read